في قلب الجزيرة العربية، حيث تنتصب جبال «أجا» و»سلمى» كحراسٍ أبديين للتاريخ، لا تُعتبر البيئة في منطقة حائل مجرد خلفية جغرافية صامتة، بل هي جزءٌ أصيل من الهوية الثقافية والاجتماعية لإنسان المنطقة، فلطالما ارتبط «الحائلي» بأرضه، كرماً، وعطاءً، وحمايةً. وفي ظل التحولات الوطنية الكبرى نحو مفاهيم الاستدامة، والانتقال من الاقتصاد التقليدي إلى قطاعات أكثر حيوية وفق «رؤية الوطن الغالي، برزت الحاجة الماسة للانتقال بالعمل البيئي من دائرة الاجتهادات الفردية، والعاطفية إلى مربع العمل المؤسسي المنظم، ومن هذا المنطلق تشكل تجربة «جمعية بيئة حائل» حالة فريدة تستحق التوقف والتأمل، فهي ليست مجرد كيان إداري، بل تتويج لحراك مجتمعي ناضج، استشعر مبكراً الخطر المحدق بالمكتسبات الطبيعية، وآمن بأن «جعل حائل أجمل» ليس ترفاً، بل ضرورة بقاء وتنمية. ولم تنشأ هذه الجمعية من فراغ، بل جاءت فلسفة تأسيسها استجابةً لتلك النواة الفكرية التي غرسها المهندس محمد الفرج وأصدقائه المؤمنين برسالة السلوك الاصحاحي، حين طرح الأمر على نخبة من الناشطين بضرروه التدخل العاجل لوقف تلويث المتنزهات والأدوية من خلال تنظيف شعاب حائل ومتنزهاتها التي بدأت تعاني من ممارسات سلبية أثرت على مشهدها البصري، لتولد تلك الفكرة، من رحم شعور جمعي بالمسؤولية، تجسد في الشعار التأسيسي «بيئتنا مسئوليتنا»، وهو الشعار الذي أحدث تحولاً جوهرياً في الخطاب البيئي بالمنطقة، فبدلاً من إلقاء اللوم على الجهات الرسمية أو انتظار الحلول الخارجية، أعاد الشعار تعريف القضية باعتبارها «شأناً شخصياً» ومسؤولية أخلاقية لكل فرد، مما أسس لثقافة جديدة تحول فيها المفهوم السائد للنظافة والتشجير من كونه «وظيفة حكومية» بحتة إلى «واجب وطني»، حيث عملت الجمعية كبوصلة توجه طاقات الشباب، وتنظم الجهود المبعثرة في قناة واحدة تخدم الصالح العام، مرسخةً بذلك مفهوم «المواطنة البيئية». ومن اللافت توظيف اجتماعية السلوك Social Behavior في العمل التطوعي بحائل، بالتزامن الدقيق بين انطلاقة جهود الجمعية، وبين الحراك الشبابي والمجتمعي الذي عمل تحت مظلة عمل مجموعتين تطوعيتين تحت شعاري « بيئتنا مسئوليتنا» و «حائل تبي منا»، شعاري صاغهما زملاء ورواد العمل التطوعي آنذاك بالتزامن مع انطلاقة الجمعية، حاملاً دلالات عاطفية، ونفسية عميقة أسبغت صفة «الأنسنة» على منطقة حائل، شارك فيها متطوعين من سائر فئات المجتمع ومناطق الوطن من المتطوعين البئيين، هذا المشهد والحراك صوّر حائل وكأنها كائن حي يخاطب أبناءه ويطلب منهم العون ورد الجميل. وأكاديمياً، يُنظر إلى هذا التزامن بين تأسيس الجمعية وحملتي «بيئتنا مسئوليتنا» و»حائل تبي منا» كنموذج مثالي للتكامل بين المؤسسة والمبادرة، فلم تكن الجمعية بمعزل عن هؤلاء الزملاء، بل كانت الحاضنة الفكرية والتنظيمية لهذه الروح الوثابة، لينجح هذا التكامل في تحويل العاطفة الجياشة تجاه المكان، إلى أرقام وإنجازات ملموسة شملت حملات لتنظيف الأودية، وحماية لأشجار الطلح المعمرة، ومبادرات توعوية في المتنزهات البرية،والمشاركة في اللقاءات والمعارض والمؤتمرات، مما منح الجمعية شرعيتها الشعبية قبل شرعيتها الإدارية، وأثبت أن المجتمع الحائلي مجتمع حيوي ومبادر يسبق التنظير بالعمل. ومع مرور الوقت ونضوج التجربة، تجاوزت جمعية بيئة حائل مرحلة «رد الفعل» المتمثلة في حملات النظافة العلاجية، إلى مرحلة «الفعل الاستراتيجي» والتنمية المستدامة، حيث يدرك القائمون على الجمعية اليوم أن دورهم محوري، في تحقيق التنمية الشاملة للمنطقة عبر محاور استراتيجية دقيقة، تبدأ من المحور البيئي والحيوي بالحفاظ على التنوع الأحيائي الفريد ومكافحة التصحر، مروراً بالمحور الاقتصادي والسياحي انطلاقاً من مبدأ أن «حائل الأجمل» هي «حائل الأكثر جذباً»، فالبيئة النظيفة والمشهد الحضري المتناسق هما رأس المال الحقيقي للسياحة البيئية والريفية، وصولاً إلى محور جودة الحياة حيث تتقاطع رسالة الجمعية مع برنامج «جودة الحياة» أحد برامج رؤية 2030، إذ تساهم المساحات الخضراء والبيئة النقية مباشرة في تعزيز الصحة العامة والصحة النفسية للسكان. ورغم الحماس الكبير للعمل التطوعي، تؤكد الأدبيات الإدارية الحديثة أنه لا يمكن لمنظمات القطاع الثالث إحداث تغيير مستدام بمعزل عن المؤسسة الرسمية، وهنا تبرز حتمية التعاون الوثيق بين الجمعية والجهات الحكومية ممثلة بإمارة المنطقة، وفروع وزارة البيئة والمياه والزراعة، والأمانة، والجهات الأمنية، فهذا التعاون ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو احتياج وظيفي، حيث توفر الجهات الحكومية الغطاء التشريعي والضبطي لردع الممارسات الخاطئة كالاحتطاب الجائر، بينما توفر الجمعية قوة الرصد والتوعية، ليضمن هذا التكامل توحيد الجهود، ومنع الهدر، وتوجيه الموارد نحو «البؤر الساخنة» بيئياً، مما يمنح برامج الجمعية صفة الديمومة ويخرجها من إطار «الفزعة» المؤقتة إلى العمل الممنهج. وقد تُوجت هذه المسيرة المضيئة بدعم كريم من سمو أمير المنطقة -حفظه الله- الذي تبنى العديد من البرامج والأنشطة، ودشن الهوية المهنية الجديدة للجمعية مانحاً إياها دفعة معنوية هائلة. المأمول أن تحضى الجمعية بثقة الشركات ورجال الاعمال لتساهم بشق المسئولية المجتمعية في تلبية احتياجات بيئتنا لنساهم بقوة وعطاء ونوائم بين التطوع بين المال، والأعمال والعطاء الفردي لنصنع من حائل انموذج فريد في جودة الحياة تكون في طليعة مناطق الجذب السياحي لنزيد من الحراك الاقتصادي بالمنطقة . استاذ التوعية البيئية والدراسات الاجتماعية بجامعة الملك سعود mshayaa@gmail.com