في صباح هادئ من صباحات المدينة المنورة، حيث السكينة تحف الأجواء، وقبيل آذان الفجر بلحظات، تلقيت رسالة عبر هاتفي الجوال من أحد طلابي الذين درستهم في مرحلة الدراسات العليا، كان طالبًا من إحدى دول القارة الإفريقية. فمن أن شاهدت الاسم يعلو نص الرسالة إلا وتذكرت وجهه الهادئ، وعينيه اللامعتين، وابتسامته التي لا تكاد تفارق وجهه رغم الغربة والبعد عن الأهل والوطن. قرأت الرسالة فإذا بها من الفرح والاعتزاز ما يعجز اللسان عن وصفه، حيث كتب فيها: عدتُ إلى وطني، بعد أن غادرت المدينة المنورة وفي قلبي نورها، وفي عقلي علمها، وفي روحي دفئها، وسكنت في قريتي البعيدة عن العاصمة، في أطراف البلاد، ولم تكن هناك مدارس كافية، ولا فرص للتعليم المنظم، ومع ذلك، بدأتُ، فكانت البداية متواضعة، عبارة عن غرفة واحدة، وبعض الطاولات الخشبية، ومجموعة من الأطفال المتعطشين للتعلم. وبدعم من بعض المتبرعين الكرام، توسعت المدرسة، وأصبح لها مبنى خاص، ومعلمون متطوعون، وطلاب من قرى مجاورة يأتون مشيًا على الأقدام، ثم تحوّلت المدرسة شيئًا فشيئًا إلى مركز تربوي، ومركز ثقافي، ومركز علمي، وأصبحت منارة إشعاع في منطقة كانت تفتقر إلى الضوء، حيث نُدرس فيها العلوم، وننشر فيها القيم، ونرعى فيها الأحلام الصغيرة كي تكبر. وقفت طويلًا أتأمل رسالته، فلم تكن مجرد كلمات، بل كانت مرآة لأثر لا يُقاس بالأرقام، ولا يُقارن بالموازنات، وقلت في نفسي بصوت يعلوه اليقين: هذه ثمرة من ثمار الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، هذه الجامعة التي لا تخرج حفظة كتب فقط، بل تبعث في الناس روح الرسالة، جامعة فريدة، ليست كغيرها من الجامعات، جامعة تُعطي دون منّة، وتبني دون ضجيج. إنّ الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ليست مجرد مؤسسة أكاديمية، بل تمثل فضاءً معرفيًا وإنسانيًا عالميًا، تتفاعل فيه الثقافات وتلتقي فيه الشعوب. فهي تستقطب طلابًا من مختلف دول العالم، وتتنوع في أروقتها اللغات والخلفيات الثقافية، حيث يشكّل الطلاب الدوليون نحو 85 % من إجمالي طلابها، وهي نسبة تُعد استثناءً نادرًا في مؤسسات التعليم العالي عالميًا، قلّ أن تُوجد في جامعة أخرى على مستوى العالم؛ الأمر الذي يمنحها بعدًا دوليًا فريدًا ورسالة كونية تتجاوز حدود التعليم إلى بناء الإنسان عالميًا. والجامعة لا تكتفي بتوفير مقعد دراسي، بل تفتح صدرها وساحاتها وسكنها، فتوفر السكن المريح، والغذاء المدعوم، والمواصلات الداخلية، والتذاكر الجوية، والرعاية الصحية، والأنشطة الثقافية والرياضية، وبرامج التوجيه والدعم النفسي، وكأن الطالب يعيش بين أهله لا في بلد غريب. وفي المدينة المنورة بالذات، حيث خير الجوار، جوار النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وآثار رسالة الإسلام، يعيش الطالب تجربة إيمانية لا تُنسى. في كل زاوية، يتعلم التواضع، ويستنشق عبير السكينة، ويرى في كل وجه قيمة، وفي كل لحظة رسالة، وهذه البيئة المتكاملة هي التي تصنع مثل ذلك الطالب، تصنع قائدا عائدا إلى بلاده، لا ليبحث عن وظيفة، بل ليؤسس مشروعًا، لا ليطلب، بل ليعطي، لا لينقل فقط المعلومات، بل ليبني الإنسان. إن أمثال هذا الطالب كثيرون. كل واحد منهم يحمل في قلبه المدينة المنورة، وفي روحه روحها. عادوا إلى بلدانهم، فأسسوا مدارس، وفتحوا معاهد، وأنشأوا مراكز دعوية وتربوية، وأداروا مؤسسات فكرية وتعليمية، فكانوا هم الامتداد الحي لرسالة الجامعة، وامتداد النور النبوي الذي بدأ من طيبة، وما زال يمتد. وإنني كلما رأيت هذه الثمار في العالم، تزداد قناعتي أن الجامعة الإسلامية ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي هدية المملكة العربية السعودية إلى العالم، هي صدى لرسالة الإسلام، وظل للنبوة، وبذرة علم تُزرع في القلوب، فتنبت في أقصى الأرض. هؤلاء هم أبناء الجامعة الإسلامية، حيث لا تنتهي الحكاية بالتخرج، بل تبدأ، وتبقى طيبة تثمر في كل أرض، وتضيء في كل زاوية، وتهمس في أذن كل طالب: كن أنت الرسالة.