×
محافظة الأحساء

حين يتجلى الإنسان

صورة الخبر

في كل عام يكتب الحج قصصًا لا تشبه غيرها، لكن بعض القصص لا تُحفظ في الذاكرة بسبب عظمة المكان فقط، بل بسبب عظمة الإنسان الذي تلتقي به في الطريق. بدأت رحلتي هذا العام منذ لحظة وصولي إلى الطائف، حين توقف أحد الأشخاص عارضًا أن يوصلني إلى أي مكان أرغب به، قاطعًا مسافة طويلة حتى أصل إلى نقطة تجمع حملتي، بل وتوقف في الصيدلية لقضاء حاجتي قبل أن يكمل طريقه. كان موقفًا عابرًا في ظاهره، لكنه حمل معنى عميقًا لما يمكن أن تصنعه هذه الأيام المباركة في النفوس. ومع انتقالي بين محطات الرحلة، كانت الجلسات اليومية مع من أكرمني الله بصحبتهم من أجمل ما عشته، إلى جانب رفيق السفر الذي رافقني من الأحساء، وابنتي الصغيرة التي كانت تراقب المشهد بعين مختلفة، فتندهش من الابتسامات الصادقة، ومن لطف الناس، ومن مشاعر الترحيب التي تحيط بالحاج أينما اتجه. كانت ترى ما نعتاده نحن الكبار، فأدركت أن في الحج إنسانيات قد لا تتكرر في أي مكان آخر. في هذه الأيام لا يلتقي الناس على مصلحة أو منفعة أو انتماء، بل على مقصد واحد وقلب واحد. وجوه مستبشرة، وألسنة تلهج بالذكر، وأيدٍ تمتد بالعون، ومشاعر صادقة تتجاوز اختلاف اللغات والثقافات والأعراق. وكأن العالم كله يتخلى مؤقتًا عن ضجيجه المعتاد ليعيش لحظة صفاء نادرة. وإذا كان الحاج يرى هذا المشهد من زاوية المشاعر، فإنه يرى في المقابل جهدًا استثنائيًا تبذله آلاف الأيدي التي تعمل ليلًا ونهارًا لخدمة ضيوف الرحمن. منظومة متكاملة من التنظيم والعناية والرعاية والتوجيه، تتجسد في كل خطوة يخطوها الحاج. وما يثير الإعجاب حقًا أن هذا الجهد لا يظهر بوصفه عملًا وظيفيًا مجردًا، بل بوصفه رسالة يحملها الجميع بإخلاص وفخر. لقد أدركت خلال هذه الرحلة أن النجاح الذي نشهده في موسم الحج لا يمكن اختزاله في الأرقام أو المشروعات أو التقنيات، على أهميتها جميعًا، بل في تلك الروح التي تجعل ملايين البشر يتحركون بانسيابية داخل منظومة واحدة دون أن يفقد الإنسان مكانته أو قيمته. فالحج في جوهره ليس فقط رحلة يؤدي فيها المسلم مناسكه، بل تجربة إنسانية وإيمانية تتجلى فيها أسمى معاني التعاون والرحمة والعطاء. ومع انتهاء الرحلة، غادرت وأنا أحمل يقينًا عميقًا بأن الحضارة لا تُقاس فقط بما تبنيه الأيدي من طرق ومنشآت، بل بما تبنيه القلوب من معانٍ. وما رأيته في الحج كان نموذجًا نادرًا يلتقي فيه الإيمان بالإنسانية، والتنظيم بالرحمة، والخدمة بالرسالة. وهناك، وسط ملايين الحجاج، شعرت أن أعظم نجاح لم يكن في إدارة الحشود فحسب، بل في المحافظة على روحها الإنسانية، وفي أن يشعر كل حاج بأنه موضع عناية وتقدير واحترام. ولهذا سيبقى الحج بالنسبة لي تجربة تتجاوز حدود المكان والزمان، وتجدد الإيمان بأن أجمل ما يمكن أن يصنعه الإنسان هو أن يسخر إمكاناته كلها لخدمة رسالة عظيمة تجمع القلوب قبل أن تجمع الأجساد، وتجعل من اختلاف البشر سببًا للتكامل لا للتباعد، ومن اجتماعهم صورة حية لمعنى الإنسانية في أبهى صورها.