×
محافظة العديد

فقيد الإنسانية

صورة الخبر

رجل بمثابة ألف رجل، في عمله الرسمي في القطاع الحكومي، وعمله الرسمي في القطاع الخيري، وعمله الشخصي المعلن وغير المعلن. تجده القائد المبادر المؤثر، المحتسب الصابر، فكره ووقته وماله وجاهه كلها مسخرة لخدمة الإنسانية. عرفته مديراً لمستشفى الولادة والأطفال في المجمع الطبي بحي الشميسي بالرياض، ثم مسؤلاً عن الشؤون الصحية بالمنطقة الشرقية، فوكيلاً لوزارة الصحة، فرئيساً لهيئة الهلال الأحمر السعودي، ثم عضواً في مجلس الشورى. ومع ارتباطه الرسمي بتلك المواقع الهامة والحساسة في مستوى مسؤلياتها، كان له عملاً موازياً عبر طريق الخير والإحسان. وبعد مروره بمحطات العمل الرسمي الحكومي التي دامت قرابة نصف قرن، ترجل عن راحلة العمل الرسمي، وامتطى صهوة راحلة العمل الخيري، متسنماً مراكز قيادية لعديد من المؤسسات الخيرية. الفارس الهُمام رمز البر والإحسان مدار الحديث، هو فقيد الإنسانية، معالي الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السويلم. أتحدث عنه وأنا تلميذه حيث عملت تحت إدارته في وزارة الصحة ثم في هيئة الهلال الأحمر السعودي، ثم نهلت من نصحه وتوجيهاته حينما شرفت بالموافقة السامية لأتولى منصب أمين عام منظمة العربية للصليب الأحمر والهلال الأحمر.  الفقيد رحمه الله في مراحل خدمته الرسمية الحكومية كانت له مبادرات امتد أثرها الطيب إلى يومنا الحاضر، ولها صفة الاستمرارية بحسب تطور آليات تطبيقها. وكانت له مبادرة تعزيز الخدمة المجتمعية، وتحفيز المسؤولية الاجتماعية فأنشاء لجنة أصدقاء المرضى حين كان يشغل مدير عام الشؤون الصحية بالمنطقة الشرقية، وقد حظيت تلك المبادرة بمباركة معالي الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله- وزير الصحة آنذاك، ثم طبقت الفكرة في كل مناطق المملكة لما تبين أثرها القوي لصالح المرضى. ثم نقل الفكرة نفسها حين تولى رئاسة الهلال الأحمر السعودي، بإنشاء لجان أصدقاء الهلال الأحمر. وكانت علاقاته مع المسؤولين في الدولة، ومع مُلاك الشركات ورجال الأعمال قوية، ويحظى بتقديرهم لما عرفوا عنه من نزاهة و ورع وإخلاص، ساعدت هذه الثقة على نجاح مبادراته الإنسانية. د. السويلم كما هو مدرسة في الإدارة والورع والأمانة والإخلاص، كان مدرسة في الأخلاق، بتواضعه وتبسطه في التعامل مع الموظفين ومع المحتاجين للخدمة، بشوشاً في مقابلته للجميع الذين يعرفهم والذين لم يسبق له وأن قابلهم. وصيته لنا دوماً نحن العاملون معه بالحرص على إنجاز العمل بالكفاءة العالية، ومراعاة حاجات وأوضاع المحتاجين للخدمة، دوماً يردد ما ورد في الحديث النبوي الشريف: "لأن يمشي أحدكم في حاجة أخيه، خيراً له من أن يعتكف شهراً في هذا المسجد" (المسجد النبوي) لم يتسنم قيادة مؤسسة إلا وحرص على تطويرها وإحداث نقلة نوعية لخدماتها، ولعلي هنا أستشهد بما تحقق للهلال الأحمر السعودي الذي تولى رئاسته لمدة ثماني سنوات، شهدت الهيئة خلالها قفزات كبيرة في خدماتها الطبية الإسعافية والإغاثية. بدءًا بتطوير كفاءة الكوادر البشرية الفنية منها والإدارية، ثم تحديث عربات ومعدات وآليات ولوازم الإسعاف الطبي، ونشر مراكز الخدمة على مدى واسع في أرجاء مملكتنا الغالية، وصولاً إلى خدمة الإسعاف الطبي الطائر. وكنا نحن الفريق العامل تحت إدارته نواصل ساعات النهار إلى الليل على مدار سبعة أيام في الإسبوع، لنحقق الأهداف التي يرسمها. ونلتقي معه صباح كل يوم ليستعرض معنا خارطة العمل، وما تتحق من إنجازاتها، وما يواجهها من عقبات يعمل على تخطيها. كان مفهوم الإستراتيجية ومكوناتها من الرؤية والرسالة والأهداف، منطلقاً جديداً في التخطيط والإدارة انذاك، وتقنية المعلومات وأتمتتها، والإدارة الإلكترونية في بداياتها، وقد أصر - رحمه الله - أن يكون الهلال الأحمر السعودي من أوائل المؤسسات التي تطبقها. فكان بعيد النظر قوي العزم، لا يؤمن بالمستحيل، ولا يرضى بالقليل. وحين كانت الإغاثة السعودية الخارجية تقدم من خلال الهلال الأحمر ، قاد - طيب الله ثراه - هذ النشاط، مخققاً نجاحات غير مسبوقة بتوجيه من القيادة الرشيدة، فانطلقت الإغاثة السعودية إلى دول القرن الأفريقي الذي كان يعاني من الجفاف وتبعياته، ثم إلى دول البلقان التي عانت من أزمات عسكرية، ودول أخرى تعرضت إلى أزمات إنسانية متنوعة، بسبب زلازل وفيضانات، وأوبئة.  كان لي شرف صحبته في رحلات عمل كثيرة إلى بلدان كثيرة لبرامج إغاثية، ومهمات أعمال رسمية أخرى، وحضور مؤتمرات ذات صلة بالعمل الإنساني، فكان حضوره متميزاً، تميزه يأتي كونه يمثل وطناً له مكانة عالية، ودوراً إنسانياً بارزاً، وتميزه شخصياً في طرح أفكاره ورؤيته، فكان المتحدث الرئيس في الكثير من المؤتمرات والاجتماعات الإقليمية والدولية، وحصل على ترشيح دولي لعضوية اللجنة الدائمة لحركة لصليب الأحمر والهلال الأحمر الدولية، وتلك اللجنة هي العقل المفكر للحركة الدولية. حصل - طيب الله ثراه - على العديد من الأوسمة والجوائز الوطنية والإقليمية والدولية، ومن أعلاها "وسام الملك عبدالعزيز" كما أن المنظمة العربية للهلال الأحمر والصليب الأحمر منحته وسام "أبوبكر الصديق" تقديراً لأعماله ومساهماته الإنسانية.  وقد ودع معالي د. عبدالرحمن السويلم، الهلال الأحمر السعودي بافتتاح المقر الرئيس للهيئة برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - حين كان أميراً لمنطقة الرياض -. وكان إيجاد مبنى متميز للهيئة موقعاً وتصميماً يشكل أولوية لمعاليه، كون الهلال الأحمر يمثل الذراع الإنساني للملكة داخلياً وخارجياً وفق نظامه الأساسي، ومن هذا المنطلق عمل - رحمه الله - على إيجاد الأرض بالشراء، بتحصيل ثمنها من المانحين، والعمل مع وزارة المالية لإعتماد المبالغ اللازمة لإنشاء المبنى، وقد سانده في هذا المشروع وفي كل مراحل التطوير، ساعده الأيمن في كل ماتحقق من تطور وتوسع في خدمات الإسعاف والإغاثة، الدكتور صالح التويجري، وأتذكر أنهما بالتناوب يبدآن عملهما الصباحي بالمرور على مشروع المبنى من أول يوم بدأ العمل في إنشائه، بالرغم من وجود مكتب هندسي إشرافي، وشاهدتهما بأم عيني مراراً وقوفاً عند المبنى وفي مكتب المشرف الهندسي للتأكد من استمرارية العمل وفق الجدول الزمني لإنجازه، وطبقاً للمخططات المعتمده. وكأن المبنى بيت العمر لكل منهما. وهنا أسوق مقترحاً بأن يوضع اسم كل منهما على قاعة من قاعات مبنى المقر الرئيس لهيئة الهلال الأحمر، تقديراً لدورهما في تطويره ونشر خدماته الطبية الإسعافية داخلياً، وتطوير آليات العمل الإغاثي خارجياً خدمة للدين والمليك والوطن.    معالي الأخ الدكتور عبدالرحمن السويلم، الحديث عنه يطول، وكل من يكتب عنه لن يوفيه حقه، ولعلي هنا أقدم اعتذاري لقصور في ما لدي من معلومات أكثر عن مآثره ومناقبه، وأعماله الجليلة، وأدعو نخبة المؤرخين والموثقين، تتبع مآثر هذا الرجل الإنسان، رجل الخير والبر والإحسان، وتدوين أعماله، ووصف شخصيته لتكون مرجعاً ومدرسة لأجيال قادمة. وقبل أن أختم حديثي عن شيء من حياة أخي الكبير وأستاذي الجليل، لا يفوتني أن أعبر عن إعجابي بحرصه الكبير على علاقته بالله، في كل الأوقات وتحت كل الظروف، ففي رحلاتنا الخارجية بصحبته، كان يوقظنا لصلاة الفجر لنصلي جماعة في المسجد الأقرب لمكان إقامتنا، فإن كنا في بلد غير مسلم فغرفته تتحول إلى مصلى، ويجلب معه في كل رحلة مجموعة من كتب الفقه والحديث والأدب وعلوم متنوعة، يقرأ علينا شيئاً منها، أو يطلب من أحدنا القراءة، وهو يعقب عليها ويفتح حواراً حوّلها، ولا أذكر أنه ترك صلاة الجماعة في كل الظروف، إما أن تكون في مسجد أو مصلى في فندق أو في غرفته أو على قارعة الطريق. وأما ديوانيته الأحدية بمنزله في الرياض، مفتوحة للجميع يرتادها الأقارب وزملاء العمل والعلماء وأصحاب الفكر من جنسيات متعددة، ويغرفون من مشارب علوم وثقافات متنوعة، وحضور أصحاب الحاجات العامة والخاصة. ومع كثرة رواد الديوانية، اسمع تلطفه في السؤال لكل من يغيب عنها لمرات متتالية، للاطمئنان على صحته وأوضاعه، في تودد وابتسامة وسماحة وجه.   رحم الله فقيد الإنسانية، وأحسن عزاء الجميع في فقده، وجعل قبرة روضة من رياض الجنة، وجعل ما قدمه مثقلاً لموازين حسناته، وجعل منزلته في عليين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وإنه لصاحب القلب السليم، أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحداً.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.