بعد 11 سبتمبر كانت الأصوات النَّاقمة على الإسلام قد وجدت في الهجمات الإرهابية متنفسًّا لها، فأفرغت أحقادها بحجَّة الدِّفاع عن المجتمعات الغربية، فتصاعدت ظاهرة الإسلاموفوبيا، إذ إنَّ التَّطرُّف في خدمة التَّطرف المقابل وفي الوقت نفسه صار توظيف ما حدث سياسيًّا ضد دول عربية وإسلامية يتزايد، وكان على رأس قائمة المستهدفين السُّعودية، وحين نتحدَّث عن دعاية موجَّهة فذلك لما تحمله من أجندة سياسية لا تحرص على أدنى قراءة موضوعية للواقع، بل تعمل على التعميم، والتشويه، والتحريض. هذا مع التَّسليم بأنَّ الجهل قد يصنع بأصحابه فوق ما يصنعه بهم أعداؤهم، لذلك خدم تلك الدِّعاية قِصار النَّظر ممن لم يحسن فهم الواقع الجديد ولا تكييف مناط العديد من الأحكام الشَّرعية لتتنزل في محلِّها، في زمن أضحت فيه الكلمة الواحدة تذاع آلاف المرَّات، وتترجم إلى مختلف اللغات، وتنقل في مختلف الوسائط، فيبغي أن توزن بميزان الحكمة والشَّرع حتى لا تستغل وتحمل على ما لا يليق بالحنيفيَّة السَّمحة، فليس هو بزمن يسمح بعشوائية الأفكار تلك التي أضحت حملًا ثقيلًا على العالم الإسلامي. كانت الأرقام المفزعة تتصاعد، ففي 2011 نفَّذ أندرس بريفيك هجومًا إرهابيًا في أوسلو لمحاربة ما وصفه بالتَّعددية الثقافية والمدِّ الإسلامي في أوروبا، وقد ذهب ضحية الهجوم 77 ضحية، ثم في 2015 قُتل 3 طلاب مسلمين في منزلهم في كارولاينا، وفي 2017 وقع هجوم إرهابي في كندا، استهدف المركز الإسلامي عقب صلاة العشاء، راح ضحيته 6 قتلى، وفي 2019 حبس العالَم أنفاسه وهو يشاهد بثًا مباشرًا لمنفذ هجوم إرهابي على مسجد النُّور ومركز لينود الإسلامي في نيوزيلندا أثناء صلاة الجمعة، راح ضحيته 51 قتيلًا وعشرات الجرحى، وقد ترافقت تلك الهجمات مع أعمال إرهابية أخرى على غير مسلمين، ولا تمييز في إدانة الإرهاب مهما كان ضحاياه. فجاء الدكتور محمَّد العيسى في وقت أحوج ما تكون إليه المنطقة، كما احتاجته الجاليات الإسلامية في العالَم، بخطاب مختلف وعقلية منفتحة، تعرف كيف تُسمع الحُجج دون انفعال أو ضجيج، وقبل أيام كرَّمه عن استحقاق أعضاء الكونغرس الأمريكي بحضور قيادات الجالية الإسلامية لدوره في مكافحة الكراهية، وتعزيز التَّعايش بين المجتمعات الدينية، ووصفت قيادات الجالية الإسلامية تكريمه بأنَّه تكريم لها، فقد كان صوتهم الذي كاد أن يُكبت، وقد تنفسوا الصُّعداء وهم يرون من يفهم قضاياهم، ويعبِّر عن رسالة دينية وسطية تمثِّل رسالتهم. ساهم العيسى في إخراج الإسلام من معارك لا تمتُّ إليه بصلة، فأذكرُ ذلك الإنكار المجحف في حقِّه من بعض المتطرفين حين أعلن عن تعاطفه مع ضحايا «أوشفيتز»، وهو معسكر أباد فيه النَّازيون العديد من المدنيين لتطبيق نظرياتهم العرقية البيولوجية الزَّائفة وآرائهم المهووسة بالمؤامرة السِّياسية، فما للإسلام وتلك الجريمة النكراء؟. كما أظهر خطابه فهمًا رفيعًا لخصوصية كثير من المجتمعات، فرفض فكرة تصدير الفتاوى ممن لا يعرف حال المسلمين في الدول الغربية، كما أنَّه فصل جانب الخلاف العقائدي عن تبرير أيِّ ظلم لأيِّ إنسان كان، سواء وافق أو خالف العقيدة، فكما قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى»: «العدل واجب لكلِّ أحد، على كلِّ أحد في جميع الأحوال، والظلم لا يباح شيء منه بحال». إنَّ المنهج الذي سلكه الدكتور العيسى يؤسس لخطاب يُسمِعُ أوساطًا عالمية، بخلاف الخطاب المتطرِّف الذي لم يكن ليعبأ بشأن العالَمية، وهي من ميزات دين الإسلام، فقام المتطرف لسنوات بمحاكاة الأحزاب اليمينية المتشدِّدة، بما نفر النَّاس من الصُّراخ المتشنِّج في التعبير عن القضايا، وقد تكون قضايا محقَّة، لكنَّ من تصدَّر للحديث فيها كان كالمحامي غير المؤهل، إذ جعلَ جوهرَ خطابه التَّقوقع لإرضاء الغرور الدَّاخلي، مما أفقد القدرة على مدِّ الجسور مع العالَم، فهو لا يتحدَّث إلا إلى نفسه، لا يخاطب العقل ولا يعزِّز الحقوق عبر المشتركات الإنسانية، أما خطاب الدكتور العيسى فقد انفتح على العالَمية، كما قال تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين». ولا يكون الرِّفق في شيء إلا زانه فضرب نموذجًا للعقل المتزن، بإعادة النَّظر العالمي للإسلام على أنَّه رسالة عالمية، بخطاب معتدل رحمة بالخلق في دلالتهم على الحق، يعكس اتزانًا داخليًّا وقدرة على المخاطبة الخارجية، وعمل كجانب من الدُّبلوماسية النَّاعمة لتفويت الفرصة على المتربِّصين كيدًا بالإسلام، وبالدُّول العربية والمسلمة وفي مقدِّمتها السُّعودية، يتحرك في إطار فهم تعقيدات المجتمعات الغربية، والتَّعبير عن قضايا المسلمين، بصوت يصلُ الأسماع ويؤثر في المتلقي بلا ضجيج.