تعاني المدن الحديثة من مشكلة متزايدة تتمثل في الازدحام المروري، الذي أصبح يؤثر سلبا على جودة الحياة، والاقتصاد، والبيئة. ومع التطور التقني الكبير الذي يشهده العالم، برز العمل عن بعد كحل عملي وفعال يمكن أن يسهم بشكل مباشر في تخفيف الضغط على الشوارع والطرق، وتحقيق فوائد متعددة على المستويين الفردي والمجتمعي. ونعود بالذاكرة لما حصل قبل سنوات أيام الجائحة التي جعلت العالم يختبر قدراته على تفعيل العمل عن بعد وكذلك التعليم وكانت النتيجة تجاوز التحديات التي صاحبت هذه الخطوة والاستفادة من ميزاتها حتى بعد انقضاء تلك الجائحة والتعرف على قدرة المؤسسات والأنظمة التقنية على استيعاب هذا النمط وبالتالي أصبح أسلوبا حديثاً يمكن الاعتماد عليه في سبيل تحقيق العديد من المستهدفات التي ترتبط بالتكلفة والصحة وتسريع الإنتاجية وغيرها من الميزات التي صاحبت تطبيق العمل عن بعد . يعد التنقل اليومي إلى مقار العمل أحد الأسباب الرئيسية للازدحام المروري، خاصة في أوقات الذروة الصباحية والمسائية. فخروج آلاف الموظفين في الوقت نفسه يؤدي إلى اختناقات مرورية تستهلك الوقت والجهد وتزيد من مستويات التوتر. ومن هنا تأتي أهمية تفعيل العمل عن بعد حيث يقل عدد المركبات على الطرق، ما يسهم في انسيابية الحركة المرورية وتقليل الحوادث. إضافة إلى ذلك، يساهم العمل عن بعد في خفض استهلاك الوقود وتقليل الانبعاثات الكربونية الناتجة عن عوادم السيارات، الأمر الذي ينعكس إيجابا على البيئة وجودة الهواء. ومع تزايد الاهتمام العالمي بالاستدامة البيئية، يعد هذا النمط من العمل خطوة مهمة نحو مدن أكثر نظافة وصحة. ومن الجانب الاقتصادي، يساعد تقليل الازدحام على خفض الخسائر الناتجة عن ضياع ساعات العمل في الطرق، كما يقلل من تكاليف النقل والصيانة على الأفراد والحكومات. أما على المستوى الاجتماعي، فيمنح العمل عن بعد الموظفين مرونة أكبر في تنظيم وقتهم، ويعزز التوازن بين الحياة العملية والشخصية، مما يرفع من مستوى الرضا والإنتاجية. ولا يعني تفعيل العمل عن بعد إلغاء العمل الحضوري بالكامل بل يمكن اعتماده بشكل جزئي أو مرن، مثل تخصيص أيام معينة للعمل من المنزل، أو تطبيقه على الوظائف التي لا تتطلب الحضور الفعلي. هذا التوازن يحقق الاستفادة القصوى دون التأثير على سير العمل أو جودة الخدمات. والخلاصة أن تفعيل العمل عن بعد لم يعد خيارا ثانويا بل أصبح ضرورة تفرضها التحديات المرورية والبيئية والاقتصادية. واعتماد هذا النموذج بشكل مدروس يسهم في تخفيف زحام الشوارع، وتحسين جودة الحياة، وبناء مستقبل حضري أكثر كفاءة واستدامة.