قرأت الكثير من المقالات وشاهدت واستمعت للكثير من التحليلات السياسية، والآراء المختلفة، إلا أنني لم اعثر على ذلك التحليل المحايد، والمتوازن، والموضوعي الذي يحكي ما جرى ويجري بشكل بعيد عن الانتماء الإعلامي أو السياسي أو التحيز المفرط، ويعتمد فقط على الحقائق الموثقة. المتابع الذكي للأحداث يلاحظ أن حكومة أبوظبي منذ أن وضعت قدماها على أرض الجنوب اليمني بدأت (بشكل ظاهر أحيانًا ومستتر أحيانًا) بالدفع نحو إعادة رسم خريطة اليمن تحت عناوين براقة مثل (محاربة الحوثيين، مكافحة الإرهاب، استقرار اليمن) وغيرها من العناوين الجميلة، في حين أن الواقع الذي تذكره جميع التقارير العالمية المحايدة ينافي هذه العناوين تمامًا. وكان آخرها تقرير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الذي أكد أن ما تقوم به حكومة أبو ظبي في الجنوب اليمني ما هو إلا محاولات لبناء نفوذ اقليمي، وفرض أمر واقع يخدم مصالحها الاستراتيجية، وأنها لم تعد تكتفي بدور الشريك في التحالف. كما ان المتابع المنصف للأحداث اليمنية يرى أنه خلال الأعوام من 2016 إلى 2025 عملت الإمارات وبشكل ممنهج على إنشاء تشكيلات وميليشيات خارج إطار الدولة، وبناء قوات محلية موالية لها، دعمتها ماليًا وعسكريًا حتى أصبحت موازية للدولة اليمنية، بل أصبحت تكاد تشل حركة مؤسسات الدولة، وتفرغها من مضمونها، ليصل الأمر إلى فقدان السيطرة وعجز تلك المؤسسات عن الدفاع عن أراضيها. على رأس تلك المليشيات يأتي «المجلس الانتقالي الجنوبي» الذي تم تأسيسه ودعمه ماليا وعسكريا من قبل حكومة أبوظبي، وكان هدف تشكيله واضحا للجميع وهو فصل الجنوب اليمني وتحويله إلى إقليم مرتبط بالحكومة الإماراتية ارتباطا كاملا، يخدم مصالحها البحرية والتجارية والسياسية. هذا على المدى القصير. أما على المدى البعيد فيرى العديد من المراقبين أن النظام في الإمارات يسعى إلى بناء نفوذ بحري من خلال السيطرة على الموانيء (عدن، سقطرى، المكلا) كون هذه المناطق ذات أهمية جيوسياسية وتجارية عالية، ومن خلالها يمكن التحكم في خطوط الملاحة تمهيدًا لمحاولة بناء إمبراطورية بحرية تمتد من البحر الأحمر حتى القرن الأفريقي. هذا باختصار هو حال المشهد الإماراتي في اليمن، ولكن ولأكون منصفًا كما بينت في البداية، قررت البحث عن حقيقية ما يتم تداوله في وسائل الإعلام الإماراتية (بشكل مستمر) حول وجود مشاريع تنموية لها في اليمن، وللأمانة اتضح لي أن جميع تلك المشاريع ما هي إلا غطاء لأعمال عسكرية وأمنية ولا تمت للتنمية بصلة، باستثناء مشروعًا واحدًا يخص الطاقة الشمسية، لكن بعد التقصي اتضح أيضًا أنه مشروع وهمي، حيث تم إطفاؤه عن بعد عقب نشؤء الأزمة. في الجانب الآخر نرى مشهدًا سعوديًا مختلفًا تماما، استعرض وإياكم تفاصيله من فصله الأخير. السعودية بحكم قيادتها للتحالف العربي اعتبرت أن هذه التصرفات من قبل عضو مشارك في هذا التحالف ماهو إلا انفصالا استراتيجيا متعمدا عن أهداف التحالف، وخروجا واضحا عن المباديء التي تكرس وحدة اليمن وسلامة حدوده، وكان لزاما عليها أن تتخذ كافة التدابير اللازمة لمنع حدوث هذا التصرف الأحادي الذي سيقود حتما إلى انتشار التوتر في مناطق أخرى مما يعزز احتمال نشؤء حرب أهلية، ويفتح الباب لفوضى إقليمية عارمة، يستعيد معها الإرهاب وجوده، ويتيح فرصا ذهبية لأصحاب النزعات التوسعية من دول الإقليم. لذا حزمت السعودية أمرها منذ اللحظات الأولى للتصعيد وبدأت إجراءات عودة الجميع للمسار الصحيح، والتأكيد على عدم التساهل مع المشاريع التي تخالف نهج التحالف، وكانت أول علامات ذلك الحزم هي تلك العملية الجوية المحدودة في ميناء المكلا، التي استهدفت شحنات عسكرية غير مرخصة وصلت لدعم مايسمى بالمجلس الانتقالي، واضعة بذلك خطوط حمراء واضحة تعكس جدية الرياض في ضبط المشهد، وأن أي تجاوز لهذه الخطوط هو تهديد للأمن القومي السعودي وفق تصريحات وزارة الدفاع. واستكمالا لمراحل هذا الضبط المتوازن اتخذت المملكة خطوات عملية بدأت بالتنسيق مع الحكومة الشرعية والتحالف العربي لضمان ضبط الأوضاع ومنع التصعيد، والتركيز على حماية المدنيين وتضييق دائرة الصراع. فكانت النتائج فرض احترام مؤسسات الدولة، بوصفها خط الدفاع الأول عن وحدة اليمن واستقراره، وتثبيت مرجعية مجلس القيادة الرئاسي باعتباره المظلة الدستورية الوحيدة لإدارة مؤسسات الدولة، وتفعيل دوره الذي بدا بتمكين قوات درع الوطن والسلطات المحلية من السيطرة على المعسكرات والمواقع الأمنية حتى استقر الأمر واستتب الأمن، واقتنعت جميع الأطراف بأن الدولة هي المرجعية الوحيدة، وأن أي قوة خارج هذا الإطار لن يكون لها دور مستقبلي في اليمن. ولم تكتف المملكة العربية السعودية بهذا الموقف النبيل تجاه اليمن، بل استكملت دورها الأخلاقي كعادتها تجاه أشقائها العرب، وبدأت في تدشين حزمة مشاريع تنموية بأرقام مليارية شملت جميع القطاعات الأساسية والحيوية في اليمن في مشهد يعكس تكاملا بين الدعم السياسي والأخلاقي ويبرز الدور الإنساني السعودي الذي يستند إلى قيم الإسلام والقيم العربية والمسؤولية الأخلاقية بعيدًا عن أي تكتلات أو مصالح ضيقة. وفي الختام وبعد سرد هذه الحقائق اترك الحكم للعين الحيادية التي ترى الحقيقة بعيدًا عن أي «مجاملات» تفرضها أي «اعتبارات». مذكرًا البعض أن للكبار دروسًا يقتنصها الأذكياء فقط.