×
محافظة الرياض

هل تتجه سوريا والسعودية إلى توأمة إستراتيجية

صورة الخبر

منذ تحرير سوريا في ديسمبر 2024، دخلت العلاقات السورية–السعودية مسارًا جديدًا يتجاوز الأطر التقليدية، في مشهد يؤكد أن الطرفين لا يسعيان إلى استعادة العلاقة فحسب، بل إلى تأسيس صيغة تعاون أعمق قد ترتقي بها إلى مستوى غير مسبوق من الشراكة. وهذه الصيغة الجديدة من التعاون لم تبقَ في إطارها السياسي، بل بدأت سريعًا بالترجمة على أرض الواقع، من خلال مسار اقتصادي واستثماري واضح المعالم، مع الكشف أمس عن حزم استثمارية جديدة تشمل مشاريع في الطيران والاتصالات والمياه والطاقة المتجددة والبنية التحتية والإنشاءات ليصل حجم الاستثمارات المشتركة منذ التحرير إلى أكثر من 40 مليار ريال بحسب وزير الاستثمار السعودي، ما يعكس استمرار زخم التعاون الاقتصادي، والثقة المتبادلة بين الجانبين، واتساع أفق الشراكة ليشمل القطاعات الأكثر تأثيرًا في الأمن الاقتصادي والخدمي. وشملت اتفاقيات أمس الإستراتيجية بين شركات سعودية وجهات حكومية سورية، اتفاقية «سيليك لينك» لتطوير البنية الرقمية بين شركة stc السعودية ووزارة الاتصالات السورية، واتفاقية بين صندوق إيلاف والطيران المدني السوري لتطوير وتشغيل مطار حلب، وتأسيس شركة طيران مشتركة بين طيران ناس والطيران المدني السوري تحت مسمى «ناس سوريا»، واتفاقية بين كابلات الرياض والصندوق السيادي السوري لتطوير شركة الكابلات السورية، واتفاقية لتولي شركتي أكوا ونقل المياه السعوديتين تطوير تحلية ونقل المياه في سوريا. ولا يمكن قراءة هذه الخطوات بمعزل عن دلالاتها الأوسع، فدخول المملكة العربية السعودية إلى أي سوق لا يُنظر إليه عادة كاستثمار تقليدي، بل باعتباره مؤشر ثقة إستراتيجي يفتح الباب أمام الاستثمارات الإقليمية والدولية، إذ إن السعودية، بثقلها الاقتصادي واستقرارها المؤسسي، تمثل مرجعية للمستثمر الأجنبي، ولذلك فإن حضورها في سوريا يُعد إعلانًا غير مباشر عن بداية مرحلة اقتصادية جديدة بعد سنوات طويلة من التعطل والعزلة. المشاريع السعودية في سوريا لا تستهدف تحريك عجلة الاقتصاد فحسب، بل تسهم في إعادة تنشيط قطاعات أساسية تمس حياة السوريين اليومية، وتؤسس لبيئة مواتية للتعافي والنمو. ويعكس هذا النشاط الاقتصادي حجم الاهتمام الذي أولته المملكة لدعم سوريا منذ مرحلة ما بعد التحرير، ولا يقتصر فقط على الصعيد الاقتصادي، بل يشمل أيضًا الصعيدين السياسي والدبلوماسي، حيث كانت الجهود السعودية حاسمة في إزالة العقبات الدولية، وفي مقدمتها قانون قيصر، الذي شل سوريا فترة طويلة. كما يؤكد المسؤولون السعوديون في اللقاءات الرسمية، أن التوجيهات تشدد على تقديم كل ما من شأنه دعم استقرار سوريا وإعادة دمجها في محيطها، ولهذا ازدادت زيارات الوفود بين البلدين بشكل كبير. إلى جانب الشراكة الاقتصادية والاستثمارية، لعبت المملكة دورًا إنسانيًا بارزًا عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، حيث قدمت دعمًا عاجلًا لمشروعات الإغاثة والعمليات الجراحية في سوريا. ولا يقل أهمية عن رفع العقوبات ما يتصل بنقل الخبرة التنموية، إذ أعلن وزير الاقتصاد السوري الدكتور محمد الشعار، خلال المنتدى الاستثماري السوري–السعودي الذي عُقد في دمشق في يوليو الماضي، أن بلاده تتجه للاستفادة من النموذج السعودي في التنمية والاستثمار، مستلهمة تجربة «رؤية السعودية 2030» التي أثبتت نجاحها في تنويع الاقتصاد وتحفيز الاستثمار. وهذا التوجه لا يعكس إعجابًا بنموذج ناجح فحسب، بل يعبر عن خيار إستراتيجي واعٍ بتبني تجربة مجرّبة بدل الانطلاق في مسارات غير محسوبة، مستندًا في ذلك إلى تاريخ طويل من العلاقات المتينة بين البلدين، الذي يمتد عبر قرون من الروابط القبلية والاجتماعية والتجارية، ليشكل قاعدة صلبة للشراكة الجديدة. وتتجاوز هذه الشراكة الأطر السياسية والاقتصادية لتشمل جميع المجالات، حيث تم اختيار السعودية ضيف شرف في معرض دمشق الدولي للكتاب الذي افتتح الأسبوع الماضي، في خطوة تعكس إدراكًا مشتركًا بأن استدامة العلاقات تقوم أيضًا على تعزيز التبادل الثقافي، ليصبح هذا البعد ركيزة متكاملة للشراكة الإستراتيجية. يمكن النظر إلى ما يجري اليوم بوصفه مرحلة تأسيسية لعلاقة قد تتطور نحو توأمة إستراتيجية شاملة في السياسة والاقتصاد والثقافة والأمن، تقوم على تقارب الرؤى، وتكامل المصالح، وتنسيق السياسات، بما يسهم في تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة، ليس في سوريا فحسب، بل في المنطقة ككل. وإذا استمر تطوير هذه الشراكة، فقد تفتح آفاقًا جديدة لنمط مختلف من العلاقات العربية، يقوم على التعاون المؤسسي، وتبادل الخبرات، وتقريب التشريعات وأساليب العمل، مستفيدًا من التجربة السعودية باعتبارها نموذجًا تنمويًا متوازنًا وملهمًا، ويضع أسسًا لرؤية مستقبلية من التكامل والازدهار المشترك. وربما لا يبدو بعيدًا ذلك اليوم الذي يسير فيه الراكب من جازان إلى حلب دون أن يحتاج أكثر من هاتفه النقال الذي يتضمن جميع المعلومات التي تحتاجها الجهات المعنية في البلدين، في صورة تختصر معنى التكامل وسهولة الحركة والتبادل بين بلدين أعادا اكتشاف عمق العلاقة بينهما، لا بوصفها ذكرى تاريخية فحسب، بل مشروع للمستقبل.