شهدت العاصمة الرياض -خلال الأسبوع الماضي- حدثاً بالغ الأهمية، تمثَّل في افتتاح المقر الجديد لقناة العربية، ليُشكّل ذلك محطة مفصلية في مسيرة القناة ودورها الإعلامي المستقبلي. فالخطوة التي جاءت كعلامة فارقة، جمعت بين تعزيز الهوية الإعلامية للمملكة، وبين التمركز في قلب مصادر القرار السياسي والاقتصادي، وهو ما يعكس توجهاً أوسع ضمن رؤية السعودية 2030، التي تسعى إلى بناء منظومة إعلامية وطنية ذات حضور إقليمي ودولي مؤثر. لذلك، فإن هذا الانتقال لن يقتصر على تحديث البنية التقنية فحسب، بل يُمثِّل إعادة تموضع جوهرية وتركيز أكثر على خدمة القضايا الوطنية. فالمقر تم تجهيزه بأحدث تقنيات الإعلام والاتصال، ويحتوي على استوديوهات متقدمة وكاميرات روبوتية، وآخر تقنيات الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى غرف تحكُّم حديثة تسمح بإنتاج محتوى عالي الجودة بسرعة ومرونة أكبر. هذه الجاهزية التقنية تُمثِّل أساسًا مهمًا لدعم الدور الجديد المتوقع من القناة في الدفاع عن المصالح السعودية، وتقديم عمل إعلامي رفيع المستوى يقوم على المهنية والقدرة على المنافسة في ساحة إعلامية عالمية تزداد تعقيدا. الآن يتوقع الجمهور من العربية - بعد هذه الخطوة الإستراتيجية التعمّق في معالجة القضايا الوطنية، والاستفادة من الثقل السياسي والاقتصادي للمملكة لتطوير عملها، والانطلاق نحو العالمية، والانتقال من دور ناقل الحدث؛ إلى المشاركة فعلياً في صنعه، وأن تتحول إلى منصة يستند إليها الجمهور الإقليمي والدولي في فهم السياسة السعودية الحديثة. لذلك، فإن افتتاح المقر الرئيسي لقناة العربية يمثّل خطوة تُجسّد تنامي أهمية الرياض كعاصمة للحدث، ومصنعاً أساسياً للقرار في المنطقة العربية، ولاعباً رئيسياً في صنع الأحداث التي تؤثر على المنطقة برمتها، ورقماً صعباً لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوزه. ولا جدال في أن «العربية» حرصت منذ بداياتها عام 2003م على الدفاع عن القضايا الوطنية، وكانت ولا زالت أحد أبرز أذرع الإعلام السعودي، لكن مباشرتها العمل من داخل المملكة لا شك؛ سوف تجعلها أكثر قدرة على الاقتراب من نبض المجتمع السعودي، والتفاعل مع تطلعاته، والمساهمة في قراءة التحولات المتسارعة التي يشهدها. ومع الاهتمام الكبير الذي أولته رؤية المملكة 2030 لجذب المؤسسات الإعلامية العالمية إلى العاصمة الرياض، وتحويلها إلى مركز عالمي على كافة المستويات، الاقتصادية والسياسية والثقافية، فإن هذا الانتقال الذي يبدو في ظاهره خطوة تشغيلية يعكس - في الحقيقة- رغبة المملكة في أن تكون سرديتها السياسية والتنموية هي التي تقود المجتمع الإقليمي والدولي، وهو ما يمكن لـ»العربية» أن تساهم فيه بدورٍ كبير بحكم خبرتها العريضة، وانتشارها، وشبكة مراسليها الواسعة. لدينا العديد مما نريد أن نعكسه للعالم، وأن نشرح سياستنا الخارجية، ونُعرّف الآخرين برؤية 2030، وجهودنا في مجالات تحديث المجتمع وحقوق الإنسان، والتحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة، وملفات الطاقة، والمناخ، وهذا لا يمكن القيام به دون وجود منظومة إعلامية حديثة وقادرة على حشد المواقف الإيجابية. ومع تزايد حملات التشكيك والإفك ضد المملكة من دوائر معادية، تُحرِّكها مشاعر سالبة على بلادنا، التي تشهد نهضة متواصلة وتنمية غير مسبوقة، فإننا لا نريد أن نكون في خانة الدفاع ورد الفعل، بل نسعى للانتقال إلى خانة الفعل، وأن نُحدِّد للآخرين الزاوية التي يرون بها حقيقتنا، والكيفية التي يتناولون بها قضايانا، وهو ما يمكن لقناة العربية أن تقوم به، وبذلك تشارك في تحديد كيفية تناول الإعلام العالمي للمملكة. وبطبيعة الحال، فإن المكاسب التي سوف تترتب على انتقال «العربية» إلى الرياض؛ سوف تشمل الصناعة الإعلامية بكاملها، وسيكون ذلك دافعاً للمؤسسات الإعلامية الأخرى لتطوير أدواتها وتحديث خطابها، والانتقال إلى مرحلةٍ أخرى عنوانها «التطور والجودة». لكل ما سبق، فإن خطوة «العودة» إلى البيت السعودي في هذا المنعطف التاريخي الذي تمر به السعودية، يعد خطوة تصب في المقام الأول في صالح هذه القناة العملاقة، التي استطاعت خلال الفترة الماضية أن تفرض نفسها بقوة على خارطة الإعلام العربي والدولي، بما تمتلكه من قدرة كبيرة على تشكيل الرأي العام. لذلك أقول بكل ثقة: إن شبكة «العربية» اختارت التموضع في المكان الصحيح، وحجزت لنفسها مكانة بارزة في قلب المشهدَين السياسي والاقتصادي في المنطقة.