تُعدّ الشائعات من الظواهر الاتصالية القديمة المتجددة، إذ لم يخلُ منها أي مجتمع عبر التاريخ، غير أن خطورتها تضاعفت في العصر الرقمي مع التحولات الجذرية في بيئة الإعلام، وتنامي دور وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها منصات مفتوحة لتداول المعلومات دون ضوابط مهنية واضحة. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تناول الشائعات من منظور إعلامي أكاديمي يفسّر آلياتها، ويحلّل آثارها، ويحدّد مسؤوليات القائم بالاتصال والجمهور على حد سواء. من الناحية المفاهيمية، تُعرَّف الشائعة بأنها معلومة غير مؤكدة المصدر، تنتقل بين الأفراد في ظل غياب المعلومات الدقيقة أو غموض الحدث، وتكتسب قابليتها للانتشار كلما لامست اهتمامات الجمهور أو مخاوفه. ويُفرّق الباحثون في دراسات الإعلام بين الشائعة والخبر الكاذب؛ فالشائعة قد تنشأ دون قصد التضليل، بينما يُنتَج الخبر الكاذب غالبًا بدافع التأثير المتعمّد في الرأي العام. وتشير الأدبيات الإعلامية إلى أن بيئات الأزمات تمثل الحاضنة الأكثر خصوبة لانتشار الشائعات، حيث يؤدي نقص المعلومات الرسمية أو تأخرها إلى فتح المجال أمام التفسيرات غير الدقيقة. كما تلعب العوامل النفسية، مثل القلق الجمعي والحاجة إلى الفهم، دورًا محوريًا في تداول الشائعة، وهو ما يضع وسائل الإعلام أمام اختبار مهني وأخلاقي حقيقي. وفي السياق المعاصر، أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع دورة الشائعة، إذ لم يعد المتلقي مجرد مستقبل للرسالة الإعلامية، بل أصبح منتجًا وناشرًا لها. هذا التحول في أدوار الاتصال أضعف من مركزية الإعلام التقليدي، وخلق تحديًا يتمثل في صعوبة ضبط تدفق المعلومات، خاصة في ظل سعي بعض الحسابات إلى تحقيق التفاعل على حساب المصداقية. أما على مستوى التأثير، فلا تقتصر أضرار الشائعات على تشويه الحقائق، بل تمتد لتشمل زعزعة الثقة المجتمعية، والتأثير في القرارات الفردية، والإضرار بسمعة المؤسسات، بل وقد تمسّ الأمن الاجتماعي والاقتصادي. ومن هنا، فإن التعامل مع الشائعات لا ينبغي أن يكون ردّ فعل آنيًا، بل جزءًا من استراتيجية إعلامية قائمة على الشفافية وسرعة الإيضاح. ختامًا، فإن الشائعات تمثل اختبارًا حقيقيًا لوعي المجتمع ونضج منظومته الإعلامية. ومع تطور أدوات الاتصال، يصبح الرهان الأكبر على إعلام مهني مسؤول، وجمهور واعٍ، يدرك أن تداول المعلومة مسؤولية لا تقل أهمية عن إنتاجها.