المسؤولية المجتمعية في عصرنا الحديث ليست مجرد مبادرة موسمية أو نشاط دعائي تمارسه المؤسسات لتحسين صورتها أمام المجتمع، بل أصبحت أحد أهم معايير قياس نضج المؤسسات ورسوخ دورها في بناء التنمية المستدامة. فالمؤسسات لم تعد كيانات اقتصادية تهدف إلى تحقيق الأرباح فقط، بل أصبحت شريكاً أساسياً في صناعة المستقبل، وعنصراً فاعلاً في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. لقد شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولات جوهرية في مفهوم التنمية، حيث لم يعد النجاح المؤسسي يقاس بحجم الإيرادات أو النمو المالي فقط، بل أصبح يقاس بمدى مساهمة المؤسسة في تحسين جودة الحياة، وتمكين الإنسان، وتعزيز الاستدامة المجتمعية. ومن هنا برزت المسؤولية المجتمعية كجسر يربط بين نجاح المؤسسة وتطور المجتمع. في الماضي، كان مفهوم المسؤولية المجتمعية يرتبط غالباً بالتبرعات والدعم المالي للمبادرات الخيرية، وهو جانب مهم بلا شك، لكنه لم يعد كافياً في ظل تعقيدات التحديات التنموية الحديثة. القطاع الخاص اليوم يعد أحد أهم محركات التنمية في المجتمعات الحديثة، حيث يمتلك القدرة على الابتكار، والمرونة في التنفيذ، والموارد التي تمكنه من دعم المبادرات التنموية الكبرى. فالقطاع الخاص قادر على دعم التعليم من خلال الشراكات مع الجامعات والمؤسسات التعليمية، وقادر على تمكين الشباب عبر برامج التدريب والتأهيل، كما يستطيع دعم الابتكار وريادة الأعمال، وهو ما يسهم في خلق فرص العمل وتعزيز الاقتصاد الوطني. وفي التجربة السعودية تحديداً، شهدنا نماذج متميزة من مشاركة القطاع الخاص في دعم التنمية، حيث أصبح الاستثمار في الإنسان أحد أهم أولويات المؤسسات، انسجاماً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي جعلت التنمية البشرية محوراً أساسياً لبناء المستقبل. إن الحديث عن المسؤولية المجتمعية لا يمكن أن ينفصل عن مفهوم الاستدامة، فالمبادرات التي تحقق أثراً مؤقتاً قد تسهم في حل مشكلات آنية، لكنها لا تصنع تحولاً حقيقياً في المجتمع. أما المبادرات المستدامة فهي التي تستهدف معالجة جذور التحديات، وتسهم في بناء قدرات الإنسان، وتمكنه من الاعتماد على نفسه. الاستدامة تعني أن تتحول المبادرات المجتمعية إلى مشاريع طويلة الأمد، وأن تعتمد على التخطيط والقياس والتقييم المستمر، وأن تسعى إلى تحقيق أثر متراكم ينعكس إيجاباً على المجتمع والأجيال القادمة. شهدت المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة العديد من التجارب المتميزة في مجال المسؤولية المجتمعية، حيث تبنت مؤسسات تعليمية واقتصادية مبادرات تهدف إلى دعم التعليم، وتمكين الشباب، وتعزيز العمل التطوعي، وتطوير البرامج الإنسانية المستدامة. وقد أثبتت هذه التجارب أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر تأثيراً واستدامة، وأن المؤسسات التي تنجح في تحقيق التوازن بين أهدافها الاقتصادية ومسؤولياتها المجتمعية هي المؤسسات الأكثر قدرة على الاستمرار والتأثير. ولكن سؤال يطرح نفسه .. هل المسؤولية المجتمعية واجب أم خيار؟ قد يتساءل البعض: هل تمثل المسؤولية المجتمعية التزاماً أخلاقياً على المؤسسات أم أنها مجرد خيار استراتيجي؟ الإجابة تكمن في أن المسؤولية المجتمعية أصبحت اليوم مزيجاً من الالتزام الأخلاقي والرؤية الاستراتيجية. فالمؤسسات التي تدرك أن نجاحها مرتبط بازدهار المجتمع هي المؤسسات التي تحقق الاستدامة الحقيقية. كما أن المجتمعات التي تشهد شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني هي المجتمعات الأكثر استقراراً وتطوراً. malhajry1@gmail.com