×
محافظة الرياض

يوم التأسيس: حين بدأت الحكاية ولم تنتهِ المسيرة

صورة الخبر

عند ذِكر يوم التأسيس للوهلة الأولى يحضر في أذهاننا الصورة التي تحمل ألوانًا عدة، وزخارف، وبيوت طينية، وخيّالة في الخلفية يتصدرون المشهد حاملين الراية ليراها الجميع وهي ترفرف بشموخ، ولكن ما أتحدث عنه هو ما وراء هذا المشهد العظيم، يوم التأسيس الذي به نحتفي بجذور المملكة العربية السعودية الراسخة. فقبل قرونٍ ثلاثة كان أجدادنا يرسمون هذا المشهد بصدق لنراه اليوم أثرًا حقيقيًا، حيث إن يوم التأسيس ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل يعد مناسبة وطنية نستحضر بها لحظة ميلاد الدولة السعودية الأولى لتعيد إلى ذاكرتنا البدايات التي وُضعت على يد الإمام محمد بن سعود -طيّب الله ثراه- ليؤسس لنا كياناً قائماً على الوحدة والاستقرار وأيضًا على الرؤية الواضحة. ففي الثاني والعشرين من شهر فبراير قبل 299 عاماً لا نستحضر التاريخ السعودي فحسب؛ بل نستحضر قصة إرادة الملوك والشعب التي صنعت دولة، وعزيمة قوية واجهت التحديات، وطموحًا لم يتوقف أبدًا عند حدود الزمن، وعلى الرغم من أن المسيرة لم تكن سهلة البتة؛ إلا أنها كانت واضحة الهدف تسعى لبناء دولة قائمة على الأمن، وتوحيد الصف، وأيضًا ترسيخ الاستقرار لصناعة مستقبل أفضل للمواطن السعودي قبل المكان. حيث مثلت تلك المرحلة نقطة تحول كبيرة في تاريخ المملكة، فقد انتقلت فيها أرض السعودية من التفرق وعدم الاستقرار إلى مسار الدولة والمؤسسات، ومع ذكرى يوم التأسيس لا يمكنني أن أنسى في حديثي هذا إنجازات الدولة في مراحلها المختلفة. فقبل قرون كان الإنجاز الأكبر يتمثل في تثبيت أركان الدولة السعودية، وترسيخ الوحدة الوطنية، وكذلك بسط الأمن والأمان، وهذا كله بدافع بناء كيان سياسي قادر على الاستمرار والتماسك في وجه مختلف التحديات، تلك الجهود العظيمة وضعت قاعدة وأساسًا متينًا لتقوم عليه مسيرة طويلة من البناء والتطوير، كما أنها ساعدت في ترسيخ هوية وطنية ما زالت حاضرة في وجدان السعوديين حتى يومنا هذا. أما في الحاضر فإن المملكة العربية السعودية تجني ثمار تلك الجذور الراسخة من خلال نهضة شاملة في مختلف القطاعات والمجالات، حيث شهدنا تطورًا متسارعًا في مجالات التنمية والاقتصاد والتعليم والبنية التحتية لتمكين المواطن، بجانب الحضور الفعال والمؤثر على المستوى الإقليمي والدولي. وأظن أن التقدم لم يعد مجرد هدفًا لنا؛ بل أصبح نهجًا واضحًا ورؤية طموحة نسعى به إلى صناعة مستقبل مزدهر ومستدام، ومن ثمار تلك الجذور الراسخة أيضًا رؤية المملكة 2030 التي تمثل لنا اليوم مشروعاً وطنياً طموحاً استطعنا من خلاله صياغة المستقبل على أسس التنمية المستدامة، وتنويع الاقتصاد، لتثبت لنا الرؤية أنها ليست قطيعة مع التاريخ بل تعتبر امتدادًا طبيعيًا لمسيرة بدأت من يوم التأسيس تُحدثنا عن روح الطموح التي قامت عليها المملكة في بداياتها الأولى. حيث كان للقادة وصناع القرار دور محوري في هذه المسيرة العظيمة، فكان لزامًا علينا أن نتذكر الأبطال الذين وضعوا بصماتهم على صفحات التاريخ وأثروا بشكل مباشر في مسار الوطن، فبعد أن وضع الإمام محمد بن سعود اللبنة الأولى لتوحيد القبائل وبناء كيان قوي كان مقره الدرعية كانت بعدها رحلة طويلة من الكفاح والوحدة لنستعيد الأرض مجددًا عام 1902م على يد الملك عبد العزيز آل سعود ليكمل لنا توحيد الجزيرة العربية حتى بزغ نجم المملكة العربية السعودية عام 1932م إلى يومنا هذا مستقرة ومزدهرة نرى مجدها باستمرار ولا نكف عن الحديث عن إنجازاتها. وبعد ذلك سار على دربه الأبناء من الملوك؛ فقد كان للملك سعود بن عبد العزيز خطوات عظيمة في تعزيز الوحدة الداخلية والعلاقات الخارجية، بينما استطاع الملك فيصل بن عبد العزيز تطوير الاقتصاد والسياسة الدولية، وكذلك تعزيز مكانة السعودية على مستوى عالمي. واستمر البناء الحضاري في عهد الملك خالد بن عبد العزيز، وأيضًا الملك فهد بن عبد العزيز ليشرفا على توسعة الحرمين الشريفين بجانب دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى فترة الملك عبد الله بن عبد العزيز التي كان فيها دعم قوي للتعليم والتقنية وعمق كبير في العلاقات الدولية. واليوم يقود مسيرة التقدم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله ورعاهما- ليضعا لبلادنا رؤية مستقبلية طموحة مليئة بالإنجازات التي يشهد عليها العالم وتتناقلها ألسنة الجميع. ختامًا؛ يظل يوم التأسيس شاهدًا على إنجازات القادة والشعب، ودليلًا على أن الأمم العظيمة تنهض بتكامل القيادة الحكيمة والفكر والعلم، وحين يتم الاستثمار في الإنسان ليتجدد في نفوسنا معنى الانتماء، ولندرك جيدًا أن المملكة منذ تأسيسها وحتى اليوم تكتب تاريخًا مجيدًا بإرادة الله سبحانه أولًا ثم بإرادة الأبناء لنصنع مستقبلاً برؤية وطموح لا يعرفان للتراجع طريقاً.