×
محافظة المنطقة الشرقية

ياللي هواك شاغل بالي - عبدالرحمن الحضري

صورة الخبر

في زمن الهاتف الثابت القديم الذي لا يمنحك فرصة رؤية هوية المتصل، كنتُ صحافيّا شابًا تشتعل في داخلي حماسة البدايات. حملتُ سماعة الهاتف ذات يوم والنبض يتسارع، فقد ظفرت بالخبطة الصحفية التي ينتظرها كل مبتدئ، وكنت أظنها ستغير وجه الصحيفة في اليوم التالي. طلبتُ مكتب رئيس التحرير مباشرة، فجاءني صوته مقتضبًا، وبمجرد أن عرف هويتي قاطعني بلهجة صاحب القرار المتمرس الواثق: لدي ما يشغلني.. اتصل بمدير التحرير!. لم أيأس، فالحماسة لا تعرف الأبواب الموصدة. اتصلت بمدير التحرير، فسكرتير التحرير، ثم رئيس قسم المحليات، وصولاً إلى مسؤول الصفحة.. والكل كان يمارس معي فن «التصريف» بذات الجملة المعلبة: مشغول.. كلمني وقت ثاني!. سقطت الخبطة التي لم يسمعها أحد، وبقيت تساؤلاتي معلقة: إذا كان بال الرئيس مشغولاً، فما بال البقية؟! وهل في بالهم شغل أهم من الخبر الذي جئتُ به؟!. ما علينا.. دارت السنون، وتغيرت ملامح الوجوه، وأصبح لي مكتب طويل عريض، وشاعت الجوالات في الأيدي بصخبها الذي لا ينتهي. وفي لحظة زحام مهني رنّ هاتفي، كان زميلاً يفيض حماسة هو الآخر ليبدأ حكاية طويلة سيرويها لي، لكن.. وبذات الآلية التلقائية التي تُورّث في المكاتب قاطعته: لدي ما يشغلني يا زميلي.. كلمني بكرة!. فجاءني صوته صارخًا عبر الأثير: خف علينا يا سعادة رئيس التحرير!. هذه الجملة كانت كافية لتعيدني إلى تلك المكالمة القديمة. استوعبتُ الصدمة سريعًا، وأدركتُ أنني سقطتُ في الفخ. فهل كنت ممن يمارسون بريستيج الانشغال!. ربما!. إن إشكالية البال المشغول في عالمنا المهني ليست دائمًا بسبب ضغط العمل، وهي - أحيانًا - كحصن نبنيه لنحمي به هيبتنا المتوهمة، أو هربًا من مسؤولية الاستماع. تُرى.. كم «خبطة» ضاعت في دهاليز اتصل بكرة؟! وكم موهبة قُتلت لأن بال الرئيس لم يتسع لثلاث دقائق من الاستماع؟ فلربما لدى من يقفون في أول السلم ما يمنح الأشياء قيمتها الحقيقية. ربما!. وياللي هواك شاغل بالي في غرامك أنا يا ما قاسيت سلطنوا..