×
محافظة المنطقة الشرقية

شيء عن ترف قريش - أوس أبو عطا

صورة الخبر

يذكر الرواة أن خراج الكوفة وحدها بلغ في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه؛ عشرين ومائة ألف ألف. وأنه لما كانت سنة خمس عشرة من الهجرة، رأى عمر أن الفتوح قد توالت وأن كنوز الأكاسرة قد مُلكت، وأن الحمول من الذهب والفضة والجواهر النفسية والثياب الفاخرة قد تتابعت، فدوّن الدواوين وفرض العطاء وجعل لكل واحد من المسلمين نوعاً مقرراً تراوح بين ألف وعشرة آلاف في العام. ويذكر الطبري (ت310 هجرية) في الجزء الأوّل من تاريخه، أن ابن الخطاب بدأ في الديوان بالعباس عم النبي الكريم وأقاربه، وفرض للناس حسب سابقتهم بالإسلام. حيث فرض لنساء النبي عشرة آلاف، ولأهل بدر خمسة آلاف، ثمّ فرض لمن بعد بدر إلى صلح الحديبية أربعة آلاف، ومن شهد فتح مكة ثلاثة آلاف. وخطب عمر بن الخطاب في الناس مرة، فقال: «إنه قدم علينا مال كثير إن شئتم أن نعدّه لكم عدّا، وإن شئتم أن نكيله لكم كيلا». وازداد هذا الثراء في عهد عثمان بسبب الفتوحات أيضاً، حتى إذا بلغنا العهد الأموي برز هذا الثراء كثيراً وتغيَّرت مظاهر الحياة وأساليب العيش لدى أهل مكة والمدينة على حد سواء، فتغيرت طريقة طعامهم وشرابهم ولباسهم، فأكلوا بآنية الذهب والفضة ولبسوا الخزّ والديباج والاستبرق وتفننوا بالتطيّب واستخدام العطورات. ويورد ابن سعد (ت 230 هجرية) في طبقاته، أن السيدة عائشة بنت سعد بن أبي وقاص اشتهرت بزينتها من قلائد الذهب، كما اشتهرت السيدة سُكينة بنت الحسين بأنها كانت تثقل ابنتها بالحُلي واللآلئ. ويذكر الدكتور شوقي ضيف في كتابه (الشّعر والغناء في المدينة ومكة) عن مصعب بن الزبير أنه أمهر سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة حين تزوجهما وكانتا من نبيلات المجتمع الحجازي، كل واحدة منهما ألف ألف درهم (مليون درهم). مع العلم أن كل من سكينة وعائشة كانتا من أثرى النساء وأكثرهن إنفاقاً. كما يذكر الدكتور نبيه عاقل (1929- 2010) في كتابه (تاريخ العرب القديم والعصر الجاهلي) أن أوّل من ورَّث البنات في الجاهلية كان ذا المجاهد اليشكري، فأعطى البنت سهماً والابن سهمين. وكان لقب صعصة وهو جدّ الشاعر الفرزدق، مُحيي الموؤدات، وتذكر العديد من المصادر التاريخية أنّه فدى ثلاثمئة مولودة وقيل أربعمئة قبل الإسلام، وكان صعصعة يهب ناقتين لكل رجل يريد وأد ابنته ليثنيه عن هذا الفعل، وهو أمر افتخر به الفرزدق بالكثير من أشعاره. ولنا في قصة اتجار الرسول الكريم بمال خديجة بنت خويلد، الكثير من الرسائل عن استقلالية المرأة، وتعاملها مع الرجال بنديّة، بل واستخدامهم للقيام بشؤونها ومالها وتجارتها، كما يروي الرواة أن هنداً زوجة أبي سفيان كانت تتجر في قبيلة كلب بالشام وأن كلاً من صفية وهند بنت عبد المطلب كانتا تشغّلان مالهما بالتجارة. وكان مصعب بن الزبير جواداً كريماً، فلما ولّاه أخوه على العراق كان يصل أهل المدينة بالمال، وقد أعطى عاصم بن عمر ستة عشر ألف دينار، وأعطى عبدالله بن جعفر ضعف ذلك. كما أهدى صديقاً له في المدينة وهو عبدالله بن أبي فروة كنزاً وجده عامله في خراسان، وهو نخلة كانت لكسرى مصنوعة من الذهب عثاكيلها من لؤلؤ وجوهر وياقوت أحمر وأخضر، وقد قوَّمها المقومون لمصعب بألفي ألف دينار! فكان ابن أبي فروة من أيسر أهل المدينة. ولما استقامت الخلافة لبني مروان كانوا يقطعون ألسنة الناس بالمال، وخاصة أهل مكة والمدينة. حيث كان الأمويون يغدقون المال عليهم إغداقاً، استرضاء لهم، حتى يصرفوهم عن التفكير في الخلافة. إلا أن هذا الترف والدعة والرخاء سرعان ما انتقض خصوصاً في موقعة الحرّة سنة 63 للهجرة ولكن عادت الأمور لطبيعتها بعد تجنب قاطنيها الخوض في السياسة وعاد المجتمع لترفه القديم وعاداته السالفة. ومن المعروف عن معاوية بني أبي سفيان أنه كان يصطنع الناس ويشتري ولاؤهم بالمال وقد سار ابنه اليزيد على نهجه. وكان بيت بني هاشم على رأس البيوت التي تستقبل استقبالاً كريماً في دمشق، فكان معاوية إذا وفد عليه أحد منهم وصله بالجوائز، وقد روي أن الحسن عندما وفد عليه أجازه بمائة ألف، وقبل ذلك حين صالحه جعل له ما في بيت ماله، وكان فيه خمسة آلاف ألف. أما ابنه اليزيد فقد أعطى عبدالله بن جعفر بن أبي طالب أربعة آلاف ألف. ولما استقامت الخلافة لبني مروان وتجاوزوا الزبيرين، كانت سياستهم هي أسكت ألسنة الناس بالمال وعلى رأسهم أهل المدينة ومكة وكان خلفاء بني أمية حينما يزورون المدينة ومكة يقسمون المال ويفرضون العطاءات لقاطنيهما، كما فعل سليمان بن عبدالملك حين زار المدينة سنة 97 للهجرة، فقسم فيها أموالاً وفرض لقريش خاصة أربعة آلاف فريضة.