في حضن جبال الطائف حيث تمتزج الطبيعة بعبق التاريخ، تتفتح حكاية الورد الطائفي كل ربيع لتروي قصة تتجاوز حدود الزراعة، نحو اقتصاد واعد وهوية ثقافية متجذرة، لم يعد هذا الورد مجرد مشهد جمالي عابر، بل أصبح صناعة متكاملة تستند إلى إرثٍ عريق، وتواكب تطلعات المستقبل، لتضع الطائف على خارطة المنتجات العالمية الفاخرة، وتحوّل عبير الزهرة إلى قيمة اقتصادية تتنامى عامًا بعد عام. وأكدت المتحدثة الرسمية للملتقى الدولي للورد والنباتات العطرية بالطائف، د. خديجة محمد أبو النجا أن الورد الطائفي يمثل أحد أبرز الرموز الثقافية والتاريخية في المملكة، مشيرة إلى أن مكانته لم تعد تقتصر على كونه منتجًا زراعيًا، بل أصبح إرثًا إنسانيًا متكاملاً يعكس عمق الهوية الثقافية لمحافظة الطائف . وأضافت أن الورد الطائفي يحظى بمكانة روحية رفيعة، لارتباط دهنه الخالص بمراسم غسيل الكعبة المشرفة سنويًا، وهو شرف يمنحه بُعدًا روحانيًا خاصًا، ويجعل منه رمزًا عطريًا يحمل عبق الطائف إلى أقدس بقاع الأرض. وبيّنت أن الورد الطائفي أصبح أيقونة للهوية الثقافية للمدينة، حيث يتجلى حضوره في العادات والتقاليد اليومية، من الضيافة إلى المناسبات الاجتماعية، كما ألهم الأدباء والشعراء عبر عقود طويلة، ما عزز من حضوره في الوجدان الثقافي المحلي. وأشارت إلى أن التراث الحرفي المرتبط بزراعة الورد وتقطيره، خاصةً باستخدام القدور النحاسية التقليدية، يمثل أحد أهم ملامح هذا الإرث، حيث انتقلت هذه الممارسات عبر الأجيال، محافظةً على أصالتها ومكانتها ضمن الموروث الشعبي. من جانبه أكد الاقتصادي د. ماهر آل سيف أن الورد الطائفي لم يعد مجرد زينة موسمية تتعطر بها جبال الطائف ثم ينتهي أثرها مع نهاية الربيع، بل أصبح موردًا اقتصاديًا واعدًا يجمع بين جودة المنشأ، وخصوصية البيئة، وسمعة عالمية راسخة، فضلًا عن قدرته على التحول إلى سلسلة قيمة عالية الربحية. وقال: البيانات الرسمية إلى أن محافظة الطائف تضم أكثر من 910 مزارع للورد، على مساحة تتجاوز 193 هكتارًا، بإنتاج سنوي يفوق 960 مليون وردة، ما يجعل هذا القطاع قاعدة إنتاجية حقيقية قادرة على دعم الاقتصاد المحلي عبر توفير فرص العمل، وتعزيز الصناعات التحويلية، وتنشيط السياحة الزراعية كما أعاد الملف الصحفي الصادر عن وزارة البيئة والمياه والزراعة في مارس 2026 التأكيد على هذه الأرقام، بما يعكس تنامي حضور الورد الطائفي كقطاع اقتصادي متسارع، وليس مجرد منتج تراثي محدود. وأوضحت د. جهان إبراهيم شار -منسقة التاريخ الوطني والأنشطة بقسم العلوم الاجتماعية بجامعة الطائف- أن الورد الطائفي يُعد من أبرز المعالم الزراعية والثقافية في المملكة، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدينة الطائف، التي تُعرف بـ"مدينة الورود". وأشارت إلى أن زراعة الورد في الطائف تعود لأكثر من 300 عام، حيث ساعدت البيئة الجبلية المعتدلة، خاصة في مناطق الهدا والشفا، على نجاحه وانتشاره محليًا وعالميًا. وقالت: إن الورد الطائفي يُعرف بـ"ملك الزهور"، ويتميّز بلونه الوردي المائل للأحمر ورائحته القوية والثابتة، وهو العنصر الأساسي في تكوين العديد من العطور والروائح المميزة عالميًا. وأكدت أن الورد الطائفي يُحتفى به سنويًا من خلال مهرجان الورد الطائفي، الذي يعرض منتجات الورد ويجذب الزوار من داخل المملكة وخارجها، ويُستخدم في صناعة العطور العالمية ومستحضرات التجميل والمنتجات الغذائية مثل ماء الورد. من جانب آخر أكد المؤرخ التاريخي حسان محمد آل كمال، المنتمي إلى إحدى العائلات العريقة في صناعة الورد، أن عائلته تمارس إنتاج ماء وطيب الورد الطائفي منذ أكثر من مائتي عام، في امتداد تاريخي يعكس عمق هذه الحرفة في وجدان أهالي الطائف . وأوضح أن موسم جني الورد الطائفي يُعد من أهم المواسم الزراعية في المحافظة، حيث تبدأ مراحل العمل من زراعة الورد والعناية به، مرورًا بقطفه، وانتهاءً بعمليات التقطير والاستخلاص، في منظومة إنتاجية متكاملة تسهم في توفير فرص عمل، وتعزز من الحراك الاقتصادي المحلي. مورد اقتصادي واعد يجمع بين جودة المنشأ وخصوصية البيئة د. خديجة أبو النجا حسان آل كمال د. ماهر آل سيف د. جهان شار