×
محافظة الجبيل

«الرياض» ترسم خارطة الدفاع العالمية

صورة الخبر

لم تكن النسخة الثالثة من معرض الدفاع العالمي مجرد تجمع دولي عابر انتهى بلملمة الأجنحة وإسكات محركات الطائرات، بل كانت لحظة فارقة سجلت فيها المملكة العربية السعودية عبورها من مرحلة «التطلع» إلى مرحلة «التمكين» في قطاع الصناعات العسكرية، إن القيمة التي نالتها المملكة من هذا الحدث تجاوزت أرقام الصفقات؛ إذ قدمت للمشاركين «اليقين الاستثماري» في توقيت عالمي يتسم بالاضطراب وتذبذب سلاسل الإمداد. لقد أدركت الشركات الكبرى أن الرهان على الرياض ليس مراهنة على «سوق بيع»، بل هو رهان على «مركز صناعي» مستقبلي يوفر الاستقرار التشريعي والدعم اللوجستي، في المقابل، حصدت المملكة من هذا المعرض بعداً سياسياً واستراتيجياً أعاد تعريف دورها؛ حيث لم تعد الرياض «مستهلكاً للحلول» التي يفرضها المصدرون، بل تحولت إلى «شريك أصيل» في تصميم وتطوير التقنيات التي تتناسب مع جغرافيتها واحتياجاتها السيادية. بوابة الاستثمارات النوعية عندما نحلل الاستثمارات النوعية التي استقطبها المعرض، نجد أنها لم تكن مجرد أرقام في ميزانيات الشركات، بل كانت "هجرة تقنية" مدروسة، هذه الاستثمارات استهدفت قطاعات "السيادة التكنولوجية" التي لم تشهدها المملكة من قبل؛ مثل هندسة المستشعرات الدقيقة، وأنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على اتخاذ القرار في بيئات معقدة، وتقنيات الفضاء الدفاعي. إن دخول هذه الاستثمارات إلى السوق المحلي يعني عملياً تحويل الإنفاق العسكري من "نزيف خارجي" للعملة الصعبة إلى "دورة داخلية" تعيد ضخ السيولة في الاقتصاد الوطني.، هذا التأثير يمتد ليشمل الناتج المحلي الإجمالي عبر تنشيط قطاعات الصناعات التحويلية، وتوليد وظائف عالية القيمة لا تعتمد على العمالة التقليدية، بل على "عقول المعرفة". لقد اختارت شركات عالمية بناء مصانعها أو مراكز أبحاثها في السعودية، ومن ثم قامت فعلياً بربط مصالحها الاستراتيجية باستقرار ونمو الاقتصاد السعودي، مما يجعل من الاستثمار الدفاعي محركاً اقتصادياً يتجاوز ثكنات الجيش ليصل إلى غرف التجارة والصناعة. فلسفة التصنيع الدفاعي يمثل التصنيع الدفاعي الذي تم استعراض خططه في المعرض جوهر السيادة الوطنية. إن ما تحقق في هذه النسخة يؤكد أن المملكة تجاوزت مفهوم "تجميع القطع" (CKD) لتنتقل إلى مرحلة "التصميم والإنتاج الكامل". هذه العملية لم تكن لتتم لولا وجود إرادة سياسية ربطت كل صفقة استثمارية بضرورة نقل التقنية وتوطين المعرفة. إن التوسع في هذا المحور يكشف عن نشوء بيئة "تكاملية"؛ حيث تتقاطع احتياجات القوات المسلحة مع قدرات الشركات الوطنية الناشئة والمصانع الكبرى، هذا الحراك الصناعي خلق ما يمكن تسميته بـ "القلعة الصناعية الذكية"، التي تعتمد على التصنيع الرقمي، والطابعات ثلاثية الأبعاد للمعادن، والروبوتات الصناعية، إن هذا التطور في قدرات التصنيع المحلي لا يخدم الأمن القومي فحسب، بل يرفع من كفاءة القطاع الصناعي السعودي بشكل عام، مما يجعله قادراً على المنافسة في قطاعات مدنية مشابهة، مثل صناعة الطيران والسيارات الكهربائية، بفضل التداخل التقني بين هذه المجالات. سلاسل الإمداد الوطنية إن نجاح الاستثمارات النوعية في استقطاب العمالقة لا يكتمل إلا بوجود قاعدة صلبة من الشركات الوطنية الصغيرة والمتوسطة التي تشكل "سلاسل الإمداد"، في كواليس المعرض، برزت بوضوح استراتيجية المملكة في تحويل المصانع الوطنية الناشئة إلى مزودين معتمدين للمصانع العالمية الكبرى. هذا التكامل ليس مجرد عملية شراء محلية، بل هو "توطين مجهري" للتقنية. فالمستثمر الأجنبي حين يؤسس مصنعاً للطائرات المسيرة في الرياض، يبحث عن مزود محلي للقطع الدقيقة، أو الدوائر الكهربائية، أو المواد المركبة، وهنا يبرز دور الهيئة العامة للصناعات العسكرية في تأهيل هذه المنشآت الوطنية لتتوافق مع معايير(SAMI) والشركاء الدوليين. إن نمو هذه الشركات الصغيرة يعني توزيع مكاسب المعرض على نطاق واسع في الاقتصاد المحلي، مما يخلق نسيجاً صناعياً مترابطاً يجعل من الصعب "نزع" هذه الاستثمارات مستقبلاً، لأنها أصبحت متجذرة في بيئة محلية تمدها بكل ما تحتاجه من موارد وخدمات مساندة. الشراكات الاستراتيجية.. بناء "العمق الصناعي" العابر للحدود إن الشراكات الاستراتيجية التي نتجت عن المعرض ليست مجرد اتفاقيات تعاون، بل هي صياغة جديدة لـ"التحالفات الاقتصادية العسكرية". هذه الشراكات عملت على فتح "خزائن الأسرار التقنية" أمام المهندس السعودي، من خلال مشاريع مشتركة تضمن بقاء القيمة المضافة داخل حدود الوطن، تكمن أهمية هذه الشراكات في قدرتها على فتح آفاق "التصدير الاستراتيجي". فالمملكة، عبر شراكاتها مع كبرى الشركات العالمية، لم تعد تهدف للاكتفاء الذاتي فقط، بل بدأت في التخطيط لتكون "مورداً عالمياً" للأجزاء والمنظومات الدفاعية، هذا التحول يضع المملكة في قلب سلسلة التوريد العالمية؛ فإذا أرادت دولة ما الحصول على تقنية معينة، فقد تجد أن "المفتاح الصناعي" أو "القطعة الحيوية" يتم إنتاجها في مصانع الرياض أو جدة أو الجبيل، هذا التغلغل في سلاسل الإمداد يمنح المملكة "قوة ناعمة" هائلة، ويحولها من بلد يستورد السلاح إلى بلد يساهم في تأمين استقرار الدول الأخرى من خلال منتجاته التقنية. جغرافيا القوة.. لفتح آفاق التصدير العالمي لا يمكننا قراءة نتائج المعرض دون التوقف عند العبقرية الجغرافية للمملكة، التي تم توظيفها كأداة اقتصادية ودبلوماسية. فالموقع الذي يتوسط القارات الثلاث يمنح الصناعات الدفاعية السعودية ميزة تنافسية لا تملكها مراكز صناعية أخرى؛ وهي "سرعة الوصول" و"انخفاض التكلفة اللوجستية. تهدف الاستثمارات والشراكات التي رصدها المعرض بالأساس إلى تحويل المملكة إلى "منصة تصدير إقليمية وعالمية"، عندما تصبح المملكة مركزاً لصيانة وتصنيع الطائرات أو الأنظمة البحرية في المنطقة، فإنها تستقطب ليس فقط الاستثمارات، بل والولاءات الاستراتيجية أيضاً، التصدير الدفاعي يمثل قمة النضج الاقتصادي، وهو الوسيلة الأسرع لتعويض تكاليف الأبحاث والتطوير، وبناءً على ما شاهدناه في المعرض، فإن المملكة تستعد لمرحلة تتدفق فيها المنتجات العسكرية "السعودية" نحو الأسواق الدولية، مما يعزز ميزان المدفوعات ويؤكد مكانة المملكة كقطب اقتصادي وصناعي لا يمكن تجاوزه في المعادلة الدولية. "الرأسمال البشري.. المهندس السعودي كعنصر استثماري جاذب" لم تعد المملكة تقدم الأرض والتسهيلات المالية فقط للمستثمر، بل أصبحت تقدم "الإنسان السعودي" كأغلى عنصر في معادلة الشراكة، لقد أبرز المعرض عن جيل من المهندسين والعلماء السعوديين الذين يقودون غرف العمليات ومنصات الابتكار. إن الاستثمار في العقول هو الذي يحول "نقل التقنية" من مجرد نصوص في العقود إلى واقع ملموس، الشراكات الاستراتيجية اليوم تشمل برامج ابتعاث وتدريب مكثف في مقرات الشركات الأم في "سياتل" أو "باريس" أو "برلين"، ليعود بعدها الكادر السعودي ليس كعامل تشغيل، بل كمطور ومبتكر،هذا الرأسمال البشري هو ما يمنح المستثمر النوعي الثقة؛ فوجود كفاءات محلية قادرة على استيعاب أعقد شيفرات التصنيع يقلل من تكاليف التشغيل الطويلة المدى ويضمن استمرارية الإنتاج المحلي بجودة عالمية. إن المعرض كان في جوهره "سوقاً للعقول" قبل أن يكون سوقاً للمعدات، حيث أثبتت المملكة أن لديها مخزوناً بشرياً شاباً قادراً على قيادة الثورة الصناعية الدفاعية. الشراكات الاستراتيجية لنقل "الجينات الصناعية" لا يمكننا الحديث عن الشراكات الاستراتيجية التي أُبرمت خلال أيام المعرض دون الإشارة إلى دورها في كسر احتكار المعرفة. قديماً، كانت عقود الدفاع تنص على "البيع والصيانة"، أما اليوم، فالشراكة السعودية مع القوى الدفاعية العالمية تنص على "التطوير المشترك". هذه الشراكة تعني أن المهندس السعودي يجلس جنباً إلى جنب مع نظيره العالمي في مختبرات الأبحاث، يشاركه في كتابة الأكواد البرمجية وتصميم الدوائر الإلكترونية. هذه "الجينات الصناعية" التي تُنقل عبر الشراكات هي التي تفتح آفاق التصدير، فعندما تمتلك المملكة حقوق الملكية الفكرية (IP) لجزئيات من هذه الأنظمة، تصبح قادرة على تسويقها عالمياً دون قيود الطرف الثالث، إن الشراكة الاستراتيجية هنا هي "جواز سفر" للمنتج السعودي ليدخل الأسواق الدولية، مدعوماً بخبرة الشريك العالمي وقدرة الصانع المحلي، مما يحول المملكة من مجرد جغرافيا مستوردة للسلاح إلى "عقدة حيوية" في شبكة التصنيع الدفاعي العالمي، وهو ما يمنح الدولة مكانة سياسية مرموقة، حيث تصبح طرفاً فاعلاً في تأمين احتياجات الدول الأخرى، لا مجرد باحث عن أمنه الخاص. الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة من أهم المخرجات التي كشف عنها المعرض هو التوجه نحو "الرقمنة الدفاعية"، فلم تعد الاستثمارات تذهب للحديد والمدرعات التقليدية فقط، بل لـ "العقول الإلكترونية". توطين صناعة الطائرات بدون طيار(Drones) والأنظمة المسيرة بحرياً وبرياً يمثل قفزة نوعية في الاقتصاد الرقمي السعودي، هذه الصناعات تتميز بهوامش ربح عالية وقدرة كبيرة على التطور السريع. إن استثمار المملكة في هذه التقنيات يضعها في مقدمة "الثورة الصناعية الرابعة". فالمصانع التي تُنتج هذه الأنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مما يعني توطين أرقى أنواع البرمجة وهندسة البيانات، هذا التحول التكنولوجي يخدم القطاع المدني بالقدر ذاته الذي يخدم فيه القطاع العسكري؛ فالتقنيات المستخدمة في الرادارات العسكرية هي ذاتها التي يمكن تطويرها لتخدم الملاحة الجوية المدنية، وأنظمة التشفير الدفاعية هي حجر الزاوية للأمن السيبراني في البنوك والشركات الكبرى، يصبح المعرض والمخرجات الصناعية الناتجة عنه "مختبراً وطنيًا" للابتكار التقني الشامل. "التناغم التنظيمي.. البيئة التشريعية كمحفز للسيادة" من الركائز التي عززت نجاح هذه النسخة من المعرض هو "التكامل البنيوي" بين الجهات الحكومية؛ من وزارة الدفاع، والهيئة العامة للصناعات العسكرية، ووزارة الاستثمار، وصندوق الاستثمارات العامة، هذا التناغم خلق "مساراً سريعاً" (Fast Track) للمستثمرين النوعيين، حيث يجد الشريك الدولي نفسه أمام منظومة تشريعية واضحة المعالم، تحمي ملكيته الفكرية وتسهل له إجراءات التوطين والتصدير، إن هذه البيئة التنظيمية هي التي مكنت المملكة من التحول إلى "مختبر عالمي"؛ حيث يتم اختبار التقنيات المستحدثة وتطويرها وفق أنظمة تتسم بالمرونة والسرعة، هذا الاستقرار التنظيمي هو ما يحول الصفقات من "ورق" إلى "واقع" على خطوط الإنتاج، وهو الضمانة التي جعلت كبار المصنعين يضعون ثقلهم في الرياض، مدركين أن المملكة تملك رؤية تشريعية تسبق الزمن، تهدف إلى خلق قطاع دفاعي شفاف، تنافسي، وقادر على الاندماج الكامل في الاقتصاد العالمي. دبلوماسية التصنيع.. كيف يدعم التصدير مكانة الدولة؟ حين نصل إلى مرحلة التصدير، فنحن نتحدث عن "دبلوماسية القوة الناعمة والخشنة" معاً، إن قدرة المملكة على تزويد حلفائها بمنتجات دفاعية "صُنعت في السعودية" تعني بناء روابط استراتيجية طويلة الأمد. التصدير ليس مجرد عائد مادي بالعملة الصعبة يضاف لميزان المدفوعات، بل هو "ارتباط عضوي" بين أمن الدول الصديقة والصناعة السعودية. جغرافيا المملكة، بوقوعها على البحر الأحمر والخليج العربي وقربها من الأسواق الأفريقية والآسيوية، تجعل من تكلفة تصدير السلاح السعودي منافسة جداً. هذا التصدير سيخلق "علامة تجارية" سيادية للسعودية في المحافل الدولية، حيث يُنظر للمملكة كدولة منتجة للتكنولوجيا الفائقة، مما يعزز مكانتها في المنظمات الدولية ومجموعات صنع القرار الاقتصادي مثل مجموعة العشرين، إن المعرض في جوهره كان "منصة انطلاق" لقطاع تصديري جديد سيهيمن على جزء كبير من التجارة الخارجية السعودية في العقد القادم، مما يضمن استدامة النمو الاقتصادي بعيداً عن الموارد الطبيعية. الرياض كبوصلة للأمن الصناعي العالمي في الختام، لم يكن معرض الدفاع العالمي 2026 مجرد منصة لعرض المنجزات، بل كان إعلاناً صريحاً عن ولادة "قطب صناعي" جديد في قلب الشرق الأوسط، إن الأرقام والاتفاقيات التي تم توقيعها في هذه النسخة هي في الحقيقة "عقود اجتماعية" بين المملكة والمستقبل؛ حيث تضمن هذه الاستثمارات النوعية والشراكات الاستراتيجية أن تظل الرياض لاعباً أساسياً في صياغة مفهوم الأمن العالمي. إن التحول من الاستهلاك إلى الابتكار، ومن الاستيراد إلى التصدير، يعكس نضجاً استراتيجياً يتجاوز البعد العسكري إلى آفاق اقتصادية رحبة تضمن استدامة الرخاء والقوة، وبينما يغادر المشاركون العاصمة السعودية، فإنهم يحملون معهم قناعة راسخة بأن خارطة الدفاع العالمية لم تعد كما كانت، وأن بوصلة الابتكار باتت تشير بوضوح نحو الرياض، حيث تُصنع القوة، ويُكتب التاريخ بأيدي مهندسيها، وتُرسم ملامح عالم أكثر أمناً واستقراراً بفضل "سيادة الابتكار". معرض الدفاع العالمي وجهة رئيسية لكبريات شركات الأسلحة العالمية معرض دفاع عالمي محفز للصناعات العسكرية داخل الوطن