في الوقت الذي أكد فيه مصدر مسؤول في وزارة الطاقة، عن تعرُّض بعض منشآت الطاقة الحيوية في المملكة، لاستهدافات متعددة مؤخراً، بما يشمل مرافق إنتاج البترول، والغاز، والنقل، والتكرير، ومرافق البتروكيميائيات، وقطاع الكهرباء في مدينة الرياض، والمنطقة الشرقية وينبع الصناعية، لينخفض بذلك الإنتاج بما يُقارب 600 ألف برميل يوميًا، تبرز ثمة أسئلة، كيف سيؤثر هذا على الإنتاج السعودي القادم؟ وهل سيبقى الإنتاج السعودي مصدرًا موثوقًا للاستهلاك العالمي؟ المحلل والكاتب الاقتصادي نايف القحطاني قال لـ "الرياض"، تنتج المملكة يوميًا قبل تصاعد الأزمة الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وبحسب تقارير أوبك في شهر فبراير 2026م ما يُقارب 10.8 ملايين برميل، لينخفض ذلك بسبب التصاعد في شهر مارس 2026 م إلى 8 ملايين برميل نفط يوميًا، وهذا الانخفاض في الإنتاج تزامن مع ارتفاع كبير في أسعار النفط، حيث ارتفع من متوسط 72 دولارًا إلى متوسط 100 دولار في مارس 2026م، ارتفاع طبيعي بسبب نقص الإنتاج وإقفال مضيق هرمز خلال الفترة، لنفهم كيف سيؤثر هذا التسرب النفطي (البسيط) على الإنتاج السعودي، لنرى الماضي قليلًا، ففي عام 2019م وبحسب المصادر الرسمية تعرضت المنشآت في بقيق وخريص لهجوم إرهابي تخريبي منظم كلّف فقدان 5.7 ملايين برميل يوميًا - أكبر بكثير مما تم فقدانه في الهجوم الأخير 600-700 ألف برميل في اليوم! - لتتصرف الحكومة السعودية بسرعة لتفادي العجز في الإمدادات النفطية العالمية وذلك من خلال السحب من المخزونات النفطية وإصلاح الأضرار والبدء في إعادة الإنتاج في فترة قصيرة بشكل تدريجي إلى الوصول إلى الكفاءة الكاملة خلال أسابيع قليلة، وطمأنت وزارة الطاقة حينها الجميع بأن الإمدادات لن تتوقف، كأن شيئًا لم يكن! بعد مرور ست سنوات على هذا، أصبح لدى المؤسسات التي تعمل في هذا المجال الخبرة في التعامل مع هذه المشكلات المؤقتة في الإنتاج كما هو متوقع العمل عليه اليوم". وأضاف القحطاني: "هذا (التسرب) في الإنتاج من المتوقع أنه لن يؤثر على ثقة العالم في النفط السعودي، فالمملكة لديها الخبرة الطويلة في التعامل مع هذه الضغوطات الإنتاجية، كما حدث في 2019م، فالأزمة الخليجية 1990م والجائحة أخيرًا تُشير إلى أن هناك من سيقود المشهد إلى بر الأمان للإنتاج العالمي، ولا ننسى أيضًا أن المخزون النفطي السعودي هائل ويمثل 17 ٪ من المخزون النفطي العالمي تقريبًا 260-270 مليار برميل نفط. وتابع: "أيضًا تمتلك المملكة ما يُسمى طاقة إنتاج احتياطية (Spare Capacity)، وتعني كمية النفط التي تستطيع الدولة إنتاجها فوق إنتاجها الحالي خلال فترة قصيرة (أيام إلى أسابيع) إذا احتاج السوق العالمي. لنفسرها بشكل أسهل يمكننا اعتبار الإنتاج النفطي صنبورًا والطاقة الإنتاجية الاحتياطية هي المفك الذي يستطيع فتح هذا الصنبور إلى أقصى درجة أو إلى درجة معينة حسب الحاجة، كما تمتلك أرامكو السعودية طاقة إنتاج احتياطية تُعد من الأكبر عالميًا، حيث يتراوح الإنتاج بين 9 إلى 11 مليون برميل يوميًا حسب قرارات أوبك+، بينما تصل القدرة القصوى إلى نحو 12 إلى 12.5 مليون برميل يوميًا. وبالتالي تمتلك السعودية احتياطي إنتاج سريع يُقدّر بنحو 1 إلى 3 ملايين برميل يوميًا يمكن تشغيله عند الحاجة، وهو ما يمنحها دورًا مهمًا في استقرار سوق النفط العالمي ويزيد من ثقة العالم في الإنتاج السعودي، مؤكداً على أن كل العوامل تُشير إلى أن الثقة في النفط السعودي من الصعب أن تتأثر بفقدان جزء بسيط من الإنتاج، وهو مستمر في الريادة العالمية رغم الصعوبات الجيوسياسية المُحيطة وحتى الاقتصادية منها. استهدافات متعددة ومن جهة ثانية ومع توقف العمليات التشغيلية في عدد من منشآت الطاقة بالمملكة، نتيجة استهدافات متعددة مؤخراً، برزت تساؤلات ملحة حول انعكاسات هذا التطور على استقرار أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، كون المملكة لا تمثل منتجاً رئيساً للنفط فحسب، بل تملك أغلب الطاقة الإنتاجية الفائضة عالمياً، مما يجعل أي خلل في عملياتها التشغيلية صدمة مباشرة لميزان العرض والطلب الدولي. متخصص في الاقتصاد الدولي لخص ملامح الآثار المتوقعة على الاقتصاد العالمي، في ظل نتائج الاستهدافات العدوانية الإيرانية الأخيرة، حيث قال الدكتور علي الحازمي لـ "الرياض": أي توقف في العلميات التشغيلية في منشآت الطاقة السعودية، من شأنه خلق نوع من القلق حول المعروض، كون المملكة تنتج نحو 9 إلى 10 ملايين برميل يومياً، وتستجيب الأسواق عادة بوضع "علاوة مخاطر جيوسياسية" مباشرة على الأسعار، كما حدث تاريخياً في هجمات أرامكو 2019 التي رفعت الأسعار 15 % في يوم واحد قبل أن تتراجع بعد تأكيد سرعة الإصلاح، وبالتوازي، تشهد الأسواق المالية تقلبات حادة تتمثل في ارتفاع أسعار الذهب والدولار والسندات كملاذات آمنة، مقابل تراجع أسواق الأسهم خاصة في القطاعات كثيفة استهلاك الطاقة مثل الطيران والبتروكيماويات، ويدفع هذا الوضع الدول المستوردة الكبرى كالصين والهند واليابان ودول أوروبا إلى إعادة تقييم أمن الإمدادات، ومراجعة خطط المخزون الاستراتيجي وتسريع مشاريع تنويع مصادر الطاقة. وعن انعكاس نقص الإمدادات على معدلات التضخم عالمياً قال الحازمي: "يدخل نقص الإمدادات وارتفاع أسعار الطاقة في صلب تكلفة كل السلع والخدمات من نقل وغذاء وتصنيع وتدفئة، فيما يعرف بالتضخم المستورد المباشر، وتشير التقديرات إلى أن ارتفاع 10 دولارات في برميل النفط يضيف عادة 0.2 % إلى 0.4 % للتضخم السنوي في الدول الصناعية خلال فترة 3 إلى 6 أشهر. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى "تضخم الجيل الثاني" حين تمرر الشركات تكاليف النقل والمواد الخام المرتفعة للمستهلك، فترتفع أجور النقل البحري والجوي وأسعار الأسمدة والغذاء عالمياً، ويضع هذا السيناريو البنوك المركزية، كالفيدرالي الأميركي والأوروبي، أمام معضلة معقدة، فرفع الفائدة لكبح التضخم سيبطئ النمو، وعدم رفعها يترك التضخم يترسخ، وهو ما يطلق عليه "الركود التضخمي". ويبقى الأثر الأكبر على الدول النامية المستوردة للنفط وغير المدعومة، إذ تتأثر أسرع لأن فاتورة الطاقة تشكل نسبة أعلى من دخل الأفراد، فيرتفع التضخم الغذائي والمعيشي بسرعة. وعن حدود تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على النمو الاقتصادي للدول الصناعية، قال الحازمي: "يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى خفض الدخل المتاح للأفراد والشركات، حيث إن كل ارتفاع بنسبة 10 % في سعر النفط يخصم تقريباً 0.1 % إلى 0.2 % من نمو الناتج المحلي للدول المستوردة مثل منطقة اليورو واليابان. ويشكل ذلك ضغطاً مباشراً على الصناعة الثقيلة، فقطاعات الصلب والألمنيوم والأسمنت والبتروكيماويات قد يتقلص إنتاجها إذا أصبحت التكلفة غير مجدية، وتعد دول مثل ألمانيا وإيطاليا ذات حساسية عالية جداً، كما يتغير سلوك المستهلك، فتخفض الأسر الإنفاق التقديري على السفر والمطاعم والأجهزة لتعويض فاتورة الوقود والكهرباء، فيتباطأ نمو قطاع الخدمات، ويظل الحد الفاصل في التأثير معتمداً على المدة، فصدمة أسعار لمدة أسبوعين يمتصها المخزون، وصدمة لثلاثة أشهر تبدأ بالتأثير على النمو، بينما صدمة لستة أشهر فأكثر قد تدخل اقتصادات هشة في ركود. وعن واجب المجتمع الدولي قال الحازمي: "يفرض القانون الدولي الإنساني حماية البنية التحتية المدنية، ومنشآت الطاقة المدنية محمية من الاستهداف. ويقع على عاتق المجتمع الدولي تأكيد هذا المبدأ وإدانة أي هجوم يعرض المدنيين وإمدادات الطاقة للخطر، وأضاف: "وفي جانب ضمان استقرار الأسواق، يبرز دور التنسيق عبر وكالة الطاقة الدولية IEA للسحب من المخزونات الاستراتيجية إذا كان النقص حاداً، كما حدث في أزمات سابقة، بهدف تهدئة الأسعار ومنع الذعر، كما يتطلب الوضع دعم جهود التهدئة والدفع نحو حلول دبلوماسية تخفض التوتر الإقليمي، باعتبار أن أمن الطاقة جزء من الأمن الجماعي. وعلى المدى الأبعد، يتوجب تسريع أمن الطاقة عبر تشجيع الاستثمار في تنويع المصادر والطاقة المتجددة وزيادة كفاءة الاستهلاك لتقليل هشاشة الاقتصاد العالمي أمام أي صدمة إمداد. وختم الحازمي بقوله: "يتضح أن تأثير أي تعطل في إمدادات الطاقة السعودية يتجاوز النطاق المحلي إلى العالمي فوراً، وذلك بسبب الثقل الذي تمثله المملكة في المعادلة النفطية، وتظل المدة وحجم التوقف هما العاملان الحاسمان في تحديد عمق الأثر فكلما طال التوقف زاد الأثر على التضخم والنمو، واتسعت دائرة التداعيات من أسواق النفط إلى كل بيت ومصنع حول العالم". نايف القحطاني