مما لا شك فيه أن التزوّد بمفاهيم نقدية قبلية كالوظيفية والبنيوية والدنيوية.. إلخ ، أمر ٌ لا مفرّ منه وأنت بصدد قراءة متن شعري ما، غير أن الأمر يتطلب إدارة تفاعلية، من دون انصياع لأوامر هذه المفاهيم والنظريات وأنت تتعامل مع خبرة نوعية في الكتابة، ومع خلاصتها بالذات منذ (هنا بار بني عبس.. الدعوة عامة)، مروراً ب(قصائد بيروت ) و(قصائد على بحر البحر) و(وردة الكهولة)، وغيرها من الإصدارات الشعرية حتى يومنا هذا في مختارات شعرية بعنوان (رسم بياني لأسراب الزرافات)، وهو العنوان الذي يدل على التطور والتدرج بيانياً لأسراب زرافات الشعر المتطلّعة إلى الأفق. كما يدل على عوالم سياقية وإنسانية متعددة التلاوين، وبعيداً عن النظريات النقدية ، فإن القارئ المتذوق للشعر وهو يخوض في مختارات الشاعر حبيب الصايغ الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب الموسومة ب(رسم بياني لأسراب الزرافات) الصادرة عن دار الانتشار العربي في عام 2011، يمكن أن يلاحظ أشياء كثيرة في الشعر وفي الفن لا تستوعبها هذه التحية السريعة لعل من أهمّها، رشاقة اللغة، حيث تجوبُ اللغة في قصائد المختارات بين ممرّات المعنى بخفة غزال، ويمضي حبيب بعيداً عن قيعان العربية الصلبة المعقدة نحو كلام رهيف يتسلل خفيفاً ومشبعاً بندى الشعر إلى العقل والقلب، حيث تجد لغة رشيقة ودافئة تفتح مغاليقها للمتلقي وتوجه دعوة عامة للقراءة، لغة تحتضنك، وتمنحك دفق الشعر وحميميته: كيف يمضي الخليج إلى بيته دون ومض كيف يمضي الخليج إلى شغله دونما ضجّة وأنا بعضه وهو بعضي؟ (شغب/ المختارات، ص 81). هكذا تلتفت اللغة ببساطتها إلى ما هو شعري في نمط المعيش والسياسة وتنمية الإنسان والهُوية، فالخليج أنا بعضه وهو بعضي بعيداً عن أناشيد الحماسة التي تصل في ذروتها أحياناً إلى إلغاء الإنسان لحساب رصيد اللغة والوطن. على نار الحكاية. كيف للمطر الجديد نوافد تكفيه أو تغويه كيف.. وليس للجدران أسماء، عناوين، شواهد أو ظلالُ ؟ (الصحراء/ المختارات، ص126). حداثة المفردة حديث الصحراء والهواء الحار، ومضارب البدو والأثل والأصالة والقدم في تزاوج مكثف مع جدة اللغة وعصرية الأنساق هكذا تجد الشاعر حبيب الصايغ، حديثاً ومحدّثاً في مفردته العالية التي تنأى عن المباشرة وتذهب إلى حيث القصد، فالصائغ كما ذهب شاعر اليمن الكبير د. المقالح ينظر إلى الشاعر (بوصفه صانع دهشة). هل كان شارعنا الوحيد دماً ولحماً أم جنوداً عاطلين. أكان قصة حبنا أم موتنا؟ هل كان شارعنا الوحيد محطة الأجراس تهوي حين تهوي الخيل في جبّ القوافل؟ (الصحراء/ المختارات، ص127). شعرية السؤال لأن الشعر بطبيعته لا يقدّم إجابات فإن جوهر الشعرية يكمن في السؤال، ومختارات الصايغ تموج بالأسئلة وتفتح اللغة نحو تكوينات جديدة على مستوى الصورة والشكل والمحتوى: تُرى كم تضيف خطوات تلك الصبية الرائعة إلى الأرض؟ (خطوات/ المختارات، ص 133). هذه تحية سريعة لحبيب الصايغ في مجده الشعري، أتمنى أن تسمح الظروف والأوقات للخوض عميقاً في عوالم الصايغ المتنوعة ، فمدونته الشعرية سجل حافل بالتصوير والتجديد، على مستويات مختلقة وهي جديرة بالقراءة والتأمل، جديرة بالحب وبأكثر من هذه التحية السريعة. *رئيس اتحاد الأدباء والكتّاب اليمنيين