يوم الجمعة الماضي، عقد في العاصمة الفرنسية مؤتمران، أو لنقل اجتماعان دوليان، لمناقشة قضايا لها علاقة بحالة عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.. والنظر في فرص السلام في أرض الرسالات. فجأة ظهرت باريس، على سطح الجهود الدبلوماسية الدولية لمناقشة قضايا المنطقة الحساسة، سواء بالمبادرة لدعوة مثل هذه اللقاءات أو استضافتها، وكأن باريس تحضر لدور فرنسي أوروبي في ساحة الصراع الدولي في المنطقة، بعيدا عن الفاعلين الدوليين الأساسيين، مثل الولايات المتحدة وروسيا. لقد كان لوزراء خارجية ما يقرب من 30 دولة بالإضافة إلى مندوبين من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، يوم عمل مضن في باريس، يوم الجمعة الفائت، فبعض منهم ما كادوا يفرغون من اجتماع، ليفضوه على عجل، ليدخلوا الاجتماع التالي. وفي كلا الاجتماعين لم تحصل اختراقات مهمة من شأنها أن تتفاعل بكفاءة وفاعلية مع معطيات الواقع، على الأرض في مسرح تفاعل الأحداث، سواء بعنفه أو جموده. بداية، كما كان متوقعا، اجتماع أصدقاء سورية، لم يأت بجديد، ولم يكن المجتمعون لديهم ما يضيفونه، غير تكرار مواقف مائعة وتأكيد أجندات تعكس خلافات جوهرية... وآخر ما كان يهدف إليه اجتماعهم استشعار الشعب السوري لصداقتهم له. الشعب السوري، في حقيقة الأمر، ما زال يعاني الأمرين في الداخل، سواء بالعنف الذي يمارس ضده من قبل النظام وروسيا، أو عن طريق الحصار الجائر على القرى والمدن السورية.. وكذا في الخارج، حيث يبتلع البحر يوميا العشرات من الفارين السوريين، أو من جراء المعاملة غير الكريمة التي يلقاها اللاجئون السوريون ممن يدعون استضافتهم في الخارج. كذلك: فإن اجتماع باريس لأصدقاء الشعب السوري، ما كان له أن ينجح وأطراف من معادلة الصراع في سورية، لم يكونوا من الحضور. روسيا لم تحضر وإيران كذلك، بينما حضر وفد من المعارضة السورية، وغاب عن الحضور من يمثل النظام. من البداية تسمية المؤتمر بأنه اجتماع أصدقاء الشعب السوري، يستبعد تلك الأطراف، الذين وإن كانوا فعليا يتصرفون بعدوانية في مسرح الحرب الأهلية العنيف في سورية، إلا أنه في المقابل، عجز تجمع أصدقاء الشعب السوري منذ البداية من إدارة الصراع بصورة كفؤة وفعالة، مقارنة بما يفعله الطرف الآخر من تصميم وشراسة في التقدم بأجندته، بإرادة وثبات، من أجل الحصول على أكبر قدر من المكاسب، عندما يحين الوقت لتدبر حلول سياسية للأزمة. من ناحية أخرى: اجتماع باريس بشأن إحياء عملية السلام في المنطقة، بعد اختزال المشكلة على أساس طرفي صراع غير متكافئين (الإسرائيليين والفلسطينيين)، فإن غياب طرفي الأزمة الرئيسيين، خاصة الطرف الأقوى في المعادلة (إسرائيل)، من شأنه أن يفرغ الاجتماع من مضمونه، بما فيه إمكانية مواصلة جهود المبادرة الفرنسية لعقد مؤتمر دولي للسلام في باريس، في وقت لاحق صيف هذا العام. ومما ساعد على ضعف سقف التوقعات من اجتماع باريس الجمعة الماضي، أن توقيته لم يكن مناسبا. قضية السلام في المنطقة مجمدة، ولم تصل حرارة البيئة التي تتفاعل فيها، لمستوى رفع حرارة درجة الصقيع المتراكم عليها لعقود. قضايا أخرى وأحداث أكثر خطورة تتفاعل بعنف في المنطقة، تحظى باهتمام أكبر من قبل العالم والقوى الإقليمية، من إزالة طبقة الجليد المتراكم لعقود على جسد «عملية السلام» في المنطقة. أهم قوة كونية، في عالم اليوم، حضرت فاعليات الاجتماعين، لمجرد تسجيل الحضور والتواجد، وليس من أجل الدفع تجاه إنجاح أيٍ منهما. واشنطن تعرف أن حلحلة الأوضاع في المنطقة، سواء العنيفة منها، مثل الوضع في سورية أو قضية السلام في المنطقة المتجمدة لعقود، لا يمكن أن يخرج عن دور فعال مؤثر يستند إلى إرادة سياسية ماضية من قبل واشنطن... هذا أمر بعيد الاحتمال، حتى تنصيب إدارة جديدة في البيت الأبيض يناير القادم، التي ربما تحتاج إلى وقت أطول للتعامل مع تلك القضايا بحالة عنفها ووضعية جمودها. عندئذ: ربما تكون الأمور قد ساءت أكبر في المنطقة، سواء على جبهة العنف المشتعلة في سورية والعراق، أو على مستوى الجمود المستحكم على جبهة السلام في المنطقة. بالإضافة، إلى حقيقة أن ليس كل من حضر اجتماع أصدقاء سورية، حضر دعوة باريس لاجتماع مناقشة إحياء عملية السلام في المنطقة، حتى على مستوى تمثيل الوفود العربية. مصر التي يبدو أنها حضرت، على مضض، اجتماع مناقشة قضية السلام، التي اختزلت بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، لم تحضر ضمن الوفود العربية اجتماع أصدقاء سورية! إشارة لصدع خطير، ينال من سلامة بناء نظرية وإستراتيجية الأمن القومي العربي. اجتماعات، مثل هذه، تفتقر لأدنى مقومات نجاحها الموضوعية، دعك من التعويل عليها لتطوير اختراقات مهمة في ملفات القضايا، التي تتناولها جداول أعمالها.