لم تفلح محاولات الجهات المختصة في فك ألغاز ظاهرة قضايا الانتحار التي شهدت بعض مناطق المملكة ما بين حين وآخر قصصًا مؤلمة وسجلتها الملفات الأمنية ليبقى أغلبها في ظروف غامضة لعدم الوصول إلى الحقائق التي بسببها وقعت وأنهت معها حياة مواطنين ومقيمين بأعمار مختلفة سواء كانوا ذكورا أم إناثا. ارتفاع معدلات الانتحار في المملكة إلى الضعف خلال 10 سنوات أثبت أن مجموعة أقدموا عليه نتيجة أمراض نفسية أو ظروف اجتماعية ومعيشية وأسرية ومعها اختلفت الأسباب والدوافع وتنوعت الطرق والوسائل كي تكون النهاية غير متوقعة بالنسبة لذوي الشخص المنتحر ومن خلالها تبقى علامات الاستفهام هي البارزة مع جميع قضايا حالات الانتحار في كل زمان ومكان.<br/>وتحدث عدد من المختصين في المجال النفسي والأسري والاجتماعي والديني والحقوقي واتفقوا على جرم وقائع الانتحار مهما تعددت الأسباب أو اختلفت، مطالبين بضرورة التدخلات العاجلة لدراسة أوضاع فئات المجتمع من جميع الجوانب خاصة من لديهم ظروف أسرية واجتماعية ومعيشية ونفسية وإيجاد الحلول المناسبة التي تنقذهم من مغبة الحياة حتى لا يفكر الواحد من هؤلاء أن يضع حدا مأساويا لحياته، "عاجل" فتحت الملف الشائك من خلال هذه التفاصيل..<br/>معدلات ثابتة بداية، أكد الدكتور علي الزائري استشاري طب نفسي بمركز النخيل بمدينة جدة، أن الانتحار أحد الظواهر العالمية ولها معدلات شبه ثابتة حسب المجتمع وظروفه وأنواع الضغوط التي تواجه غالبية المنتحرين الذين يعانون الاكتئاب، موضحا أنه مرض نفسي معروف يشعر فيه الشخص بضيق وكرب وألم نفسى يصعب تحمله والعيش معه بدون علاج عندها يضيق أفق المريض، وقد لا يستطيع تحمل هذا القدر من المعاناة ويكون المستقبل مظلما ولا يوجد به أمل فيكون الانتحار حلا يختصر الطريق.<br/>وأضاف: "الاكتئاب له أنواع عديدة ومختلفة قد يحدث بسبب ضغوط خارجية وقد يحدث بلا أي ضغوط، لافتا إلى أن أحد أسبابه الشهيرة هو المشكلات اليومية، سواء كانت أسرية أو شخصية أو في العمل أو العلاقات مع الآخرين؛ حيث يحبط الشخص في توقعاته ويشعر بالخذلان وخيبة الأمل، موضحا أن البعض يكتئب بسبب عدم تحقيق أمنياته ورغباته ولا يستطيع التكيف مع الحياة وربما استخدم نوعا أو آخر من المخدرات للهروب من الشعور بالضيق الأمر الذي يفاقم المشكلة، وقد يؤدي للانتحار. وأوضح الدكتور الزائري أن هناك أسبابا عضوية قد تسبب الاكتئاب، ويجب علاجها، مشددا على ضرورة عدم نسيان الضغوط الاجتماعية والأسرية وعدم احتواء الأسر والمجتمع لأبنائهم وبناتهم قد يسبب- أيضا- كآبة وحزنا. وتابع: "العنف الأسري والإيذاء النفسي والمعنوي تجاه أفراد الأسرة ناحية بعضهم البعض أحد المسببات التي قد تشجع أحدهم في قتل نفسه كنوع من التعبير عن الغضب أو عقاب الوالدين أو شريك الحياة، وكذلك العنف بين الزوجين والظلم الاجتماعي وهضم الحقوق والاستغلال بكل أشكاله قد يوصل الشخص لنفق مظلم يسبب الاكتئاب وبالتالي الإقدام على الانتحار. وأشار إلى أن مشاهدة الأفلام ومتابعتها ربما تعطي معلومات عن شكل الانتحار الناجح؛ ولكنها لا تعد دافعا مباشرا إلى تنفيذه، وغالبا من يقلد هم الأطفال لبعض المشاهد واللقطات بهدف التقليد وعدم فهم خطورة الفعل، ولعل الحالات المسجلة لانتحار الأطفال أثبتت أن وجود الاكتئاب غير المعالج لديهم هو دليل قاطع على وصولهم لهذه الحادثة المؤسفة. وأفاد بأن عدم وجود التوعية اللازمة للتعرف على أنواع الضغوط التي تواجه الأفراد والأسر أو المجتمع ومعرفة الطرق البسيطة والسهلة في كيفية التعامل السليم واكتشافها في وقت مبكر يساعد على تخفيفها وعمل الاحتياطات اللازمة لتفادي المرض النفسي المرتب مثل الاكتئاب والقلق والعنف واستخدام المخدرات والانحرافات السلوكية.<br/>انتحار الفتيات وعن الفتيات اللاتي يلجئن إلى أساليب الانتحار يقول الدكتور الزائري، ازدياد ضغوط الأسرة والمجتمع عليهن وكبت حرياتهن الشخصية وفرض الحياة عليهن بطريقة تتماشى مع رغبات الأهل دون أخذ موافقتهن في عين الاعتبار وعدم إعطائهن الحق الشرعي في تقرير مصيرهن وتعليمهن وممارستهن للعمل والتقصير في وسائل الترفيه والدمج المجتمعي وتهميشهن بل وربما استغلالهن في الكسب المادي والمعنوي للأسرة أو أحد أفرادها أو تزويجهن بدون موافقتهن وبالإكراه أو عدم الاهتمام بشعورهن من ناحية الحياة يؤدي إلى هذه الحالة.<br/>مسؤولية أخلاقية واعترف الدكتور الزائري أن المجتمع عليه مسؤولية أخلاقية تجاه أفراده من توفير الرعاية النفسية وإيجاد الحلول للمشاكل وتوعية الجميع بداية من الفرد ومرورا بالأسرة ونهاية بالمجتمع بما في ذلك وسائل الإعلام التي عليها واجب أخلاقي في المساهمة بتوفير الحلول وتنوير المجتمع، بالإضافة إلى خطباء المساجد والمعلمين والمرشدين بالمدارس وكل من يتعامل مع أطياف المجتمع المختلفة والتركيز على شرح مفصل. وأوضح أنه فيما يخص ضغوط الحياة والطرق الإيجابية للتعامل معها والتصرف السليم والفاعل في الحل والحماية وكيفية طلب المساعدة في الوقت المناسب والتسامح بين الأسر والأفراد وحتى بين الإنسان ونفسه؛ لأن الله يغفر الذنوب جميعا، ويجب أن نغفر لبعضنا البعض ونتقبل الاختلاف فيما بيننا وأن نرفض الظلم وأكل الحقوق وإيقاف التدهور النفسي قبل أن يحدث ما لا يحمد عقباه، معها سيقل الضغط النفسي وتقل فرص الإصابة بالاكتئاب في محاولة للعدول عن التفكير في الإقدام على الانتحار أيا كانت أسبابه ودوافعه.<br/>الخير والشر وقال عضو هيئة كبار العلماء سابقاً الدكتور علي بن عباس الحكمي، إن قتل الإنسان نفسه وهو ما يعرف بـ(الانتحار) إنما يقدم عليه الإنسان وهو في واحدة من حالين: إما أن يكون متصفًا بكامل قوته العقلية التي هي مناط التكليف، وإما أن يكون في عقله خلل يجعله لا يميز بين الخير والشر والنفع والضر، وكلاهما مدفوع إلى فعلته باليأس من رحمة الله وعدم الرضا بما كتب الله، ولذلك أسباب عدة كالإصابة بمرض عضال أو لحقوق مصيبة في نفسه أو أهله أو ماله أو ضغوط اجتماعية أخرى.<br/>وكشف أن الحكم الشرعي في هذا يختلف باختلاف الحالين: الأول ما يخص العاقل المدرك لما فعل، فهذا هو الذي توعده النبي صلى الله عليه وسلم بأشد العقوبة كما ورد في الحديث الصحيح "أن من قتل نفسه بشيء فإنه يعذب به يوم القيامة"، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قاتل نفسه لعظم ما أقدم عليه من الذنب فذلك كبيرة من الكبائر. وأما الحال الثانية وهي حال فاقد العقل والإدراك أو فاقد الإرادة لأمر طارئ على قواه العقلية، فهذا لا يؤاخذ بما فعله في نفسه؛ لأنه لا يؤاخذ إلا المكلف، وفي هذه الحال قد خرج عن دائرة التكليف. وشدد الدكتور الحكمي على ضرورة عمل دراسة ميدانية لأحوال هذه العينات بحيث تكون دراسة شاملة ودقيقة لمعرفة الأسباب التي أسهمت في ارتكاب تلك الأفعال بل والأسباب التي أدت إلى الخلل الحاصل في عقل وإدراك من يقدمون عليها، وتكون شاملة مستوعبة للنواحي الشرعية والنفسية والاجتماعية والصحية حتى يمكن العلاج.<br/>تقوية الوازع الديني وأرجع انتشار ظاهرة الانتحار إلى ضعف الوازع الديني وتعلق الناس بالدنيا وعدم نظرتهم إلى الآخرة والبعد عن الله مما يورث انعدام الصبر على المصائب عند من يقدم على الانتحار من العقلاء أو يورث الشك والريبة في جدوى هذه الحياة عند من اختلت قواهم العقلية. وطالب بضرورة الحرص على تقوية الوازع الديني لدى الشباب وإبعادهم عن مسببات الإلحاد في دين الله ووضع البرامج التي تملأ فراغهم بما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم، وتخفيف الضغوط الاجتماعية والحياتية عنهم، إضافة إلى العلاج النفسي لمن وقع في مقدمات ضعف العقل والإدراك من الاكتئاب ونحوه من أمراض العصر.<br/>هوية المنتحر من جهته، أفاد المشرف العام على فرع الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان أحمد بن يحيى البهكلي، أنه يصعب التحليل في غياب تفاصيل الحادث وأسبابه وهوية المنتحر، والتي لا بد من معرفتها، وفي جملة عموم القضية هذه المتعلقة بالشروع في الانتحار فحق الحياة أصيل وقد حرم الله قتل النفس إلا بالحق، وتنفيذ القتل يكون بحكم الشرع وتنفذه الدولة حتى لا تسود الفوضى. أما حالات الانتحار التي عرفنا تفاصيلها فتتراوح أسبابها بين المرض النفسي والمعاناة المعيشية أو العاطفية نتيجة العنف والحرمان المقصود من الحقوق الأساسية، ولا بد من أن تتصدى مراكز الأبحاث لدراسة ما يحدث لتحديد الأسباب تمهيدًا لأن توجِد الجهات ذات العلاقة حكومية كانت أم مدنية آليات لإزالة تلك الأسباب أو معالجة آثارها وتوعية الناس بجرم قتل النفس وحرمته الشرعية.<br/>